تأملات في معايير النصر والهزيمة

كتاب لها
16 - شعبان - 1436 هـ| 04 - يونيو - 2015


1

الناظر إلى الأحداث التي تصيب البشر، يجدها تنقسم إلى قسمين، قسم خاص بالموحدين، والقسم الآخر يخص غيرهم، فإن الأحداث تبدو في ظاهرها وفي سردها التاريخي واحدة، حيث تحلل وتفسر بحسب النجاح والفشل، أما إذا تأملناها بعد ذلك نجد نتائجها تختلف عن ذلك التحليل اختلاف الليل والنهار.

     ولنأخذ السيرة النبوية الشريفة مثالا لهذه المقارنة التي طرحناها، فنجد أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم -  وصحابته الكرام لم يتيسر لهم الأمر في بداية الدعوة، ولا في وسطها ولا في آخرها، ففي كل مرة يصابون بأمر جلل ينظر إليه في حينه أنه ضربة لهم، وتقليل من قوتهم. ولكن سرعان ما يتحول هذا المصاب إلى قوة ودعم لمسيرة الدعوة، ويصبح زادا وحصنا للمؤمنين، فلننظر إلى استشهاد حمزة عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عندما استشهد في غزوة أحد إذ نادى المنادي: استشهد حمزة.. استشهد حمزة، فوقع هذا الخبر وقع الصاعقة على الصحابة حتى أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حزن حزنا شديدا على استشهاد عمه، وما أن مرت الأيام حتى أصبح دم حمزة الطاهر وغيره من دماء الشهداء بمثابة السقيا التي أنمت وقوت هذا الدين، حتى انتشر في الآفاق ولم يفقد رونقه وبهاءه ، وأصبح اسم حمزة مسجلا في سجل الأبطال لا في سجل الممثلين بهم كما بدا في لحظة الاستشهاد.

     ومشهد آخر عبر في لحظته عن حزن عميق للحق وأهله، وبدا فيه ظهور وارتفاع للباطل، وفرحة زائفة لأهل الباطل وذلك يوم أن أرجع كفار قريش المسلمين إلى المدينة المنورة، ومنعوهم عن أداء العمرة في ذلك العام، ولكن ما أن مرت الأيام حتى صار هذا اليوم فتحا ونصرا للمسلمين.

هذان المشهدان: مشهد استشهاد حمزة، ومشهد رجوع المسلمين إلى المدينة بلا عمرة، قد يبدو ـ في لحظتهما ـ أنهما انهزام وانكسار لأهل الحق، وفوز ونصرة لأهل الباطل، لكن سرعان ما ظهرا بعد ذلك قوة ودعما وثباتا للحق، كما أصبحا خزيا وهزيمة لأهل الباطل.

    وبهذا المعني ينبغي ألا يحزن أهل الحق، إذا ظهر لهم في مسيرتهم ما يزعجهم ويغضبهم، بل إذا فقدوا أعز عزيز لديهم، فهذا لا يعني انتقاصا للحق، بل هو دعم وقوة له، وسوف يكون خذلانا وهزيمة لأهل الباطل ولكن بعد حين. وبالتالي تمر أحداث التاريخ ليست كما وصفت في لحظتها، فهذه الأحداث ليست لها الكلمة الاخيرة، وإنما الكلمة لرب العزة والجلال، وهذه النظرة تحتاج إلى فهم عميق، وإيمان راسخ لم يستوعبه الصحابي الجليل عمر بن الخطاب  - رضي الله عنه -  بسهولة عند صلح الحديبية.. فما بالنا نحن!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...