تجاذب الأفكار المشتركة

كتاب لها
10 - ربيع أول - 1436 هـ| 01 - يناير - 2015


1

(الطيور على أشكالها تقع) يضرب هذا المثل – كما هو معروف – إلى من يجتمعون على أمر ما، يشتركون فيه سواء كان المجتمعون من الحيوانات أو من البشر، فأنت إذا وجدت سربا من الطيور يجتمع في مكان واحد، فسوف تستنتج أن أمرا ما عمل على اجتماعهم، وكذلك الأمر بين البشر، فإذا وجدت جماعة تحب مشاهدة المباريات حية – مثلا – فما أن تعقد مباراة إلا وتجد هذه الجماعة اجتمعت حول هذه المباراة دون سابق وعد بينهم، وإنما جمعهم في ذلك الصفة التي يشتركون فيها، وهي حب مشاهدة المباراة.

والعجيب أن هذا المثل ينطبق أيضا على بنات الأفكار في الشخص الواحد، فما أن تجد شخصا تتوارد عليه أفكار حميدة وقيمة، إلا وتجد أن الأفكار الحميدة والقيمة ديدنه العام الذي يتصف به، ويندر ما تجده منغمسا في أفكار فاسدة، ومشينة، يقول الله تعالى: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ"[1] إذ أن الله تعالى ربط بين هذه الآيات بحرف العطف الواو، وهذا الحرف - كما هو معروف في اللغة – يفيد المشاركة المطلقة، والعكس صحيح، فالقيم السيئة كذلك تجتمع مع بعضها البعض يقول الله تعالى: "قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ* وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ* وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ "[2] فسبحان الله.. حتى القيم تقع على أشكالها!!

وكما أن هذه الأفكار المشتركة تجتمع في شخص واحد، كذلك نجدها تجتمع في الأشخاص على اختلاف أجيالهم وأممهم، دون سابق اتفاق بينهم، يقول الله تعالى في محكم تنزيله: "الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ، قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ، فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ* فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ"[3]، وإذا نظرنا حولنا نجد كثيرا من الأفكار المضللة ما هي إلا نسخة لأفكار أخرى سبقتها قبل قرون، ومن ذلك – مثلا – أنك تنظر إلى الطغاة يتشابهون في أفكارهم دون سابق اتفاق بينهم، فهم يعرضون عن الاستماع إلى الحق يقول الله تعالى: "إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ، وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ، إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ* وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ، وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ* قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ"[4].

      ومن هنا وُصف بالغباء، وأحيانا بالشقاء من لا يتعظ بالتاريخ، وبالتجارب السابقة؛ لأن القاعدة واحدة، وإن اختلف الزمان والمكان، كيف لا والخالق واحد.

 

[1]سورة المؤمنون آية 1 – 4.

[2]سورة المدثر آية 43 -  46.

[3]سورة آل عمران آية 183 - 184

[4]سورة القصص آية 76 -  78.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...