تحقيق الذات.. ونظرية ماسلو للحاجات! (1)

الحاجات الفسيولوجية والحاجة إلى الأمان

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
14 - رمضان - 1441 هـ| 07 - مايو - 2020


1

كلنا نحتاج إلى الطعام والشراب والنوم والملبس والدفء والماء والكهرباء والصحة و العلاج والمواصلات والانترنت والزواج والأمن والاستقرار .. فإذا توفرت كل هذه الاحتياجات لنا.. فهل نحتاج شيئا بعد ذلك؟

هذا السؤال شغل عالم النفس الأمريكي إبراهام ماسلو وهو أحد مؤسسي علم النفس الإنساني منذ منتصف القرن الفائت، وقد توصل من خلال تتبع حياة عدد من الشخصيات المشهورة مثل عالم الفيزياء الشهير أينشتين، والتي استطاعت تحقيق ذاتها إلى محاولة اكتشاف الحاجات التي يحتاجها كل إنسان والدوافع التي تنشأ عن هذه الحاجات 

شغل ماسلو أن هناك أشخاصا متحمسين بطريقة هائلة، ويتمتعون بالقدرة على تحفيز أنفسهم للعمل والإنجاز والإبداع والعطاء للحياة، لاحظ أن شعورهم بقيمتهم مرتفع، وأنهم يدركون معنى وجودهم في الحياة بشكل أعمق، وسأل نفسه ما الذي يجعل بعض الناس ينضجون وينمون، والبعض الآخر يتوقف نموه ولا يرتقي، ما الذي يجعل شخصا مثل أينشتين ينبغ ويتفوق ويقدم نفعا غير عادي للبشرية لماذا لم ينشغل بلقمة عيشه ويبحث عن احتياجاته الجسدية والأمنية ويرتاح، مثل غالبية البشر، ما الذي يجعل الإنسان شغوفا بأن يحقق ذاته، 

تأمل ماسلو الاحتياجات التي يحتاجها الناس فوجدها بعد إضافات وتعديلات على نظريته ثمانية أنواع، ورتبها حسب شدة احتياج الإنسان لها، بشكل هرمي قاعدته (الاحتياجات الفسيولوجية) ويليها (الحاجة إلى الأمان) ثم (الحاجة إلى الانتماء) ثم (الحاجة إلى التقدير) ثم (الحاجة إلى المعرفة) ثم (الحاجة إلى الجمال) ثم (الحاجة إلى الإيمان العميق) ثم (الحاجة إلى تحقيق الذات) 

أما الاحتياجات الفسيولوجية فهي الاحتياجات التي تحافظ على وجود الإنسان و يشترك فيها كل الكائنات الحية من أكل وشرب وتنفس وإخراج ونوم وهذه الاحتياجات ينطلق إليها الإنسان بلا وعي منه، وإذا لم يجدها فإنه ربما يتنازل عن حاجاته الأخرى، فمثلا إذا لم يجد الإنسان ما يأكله ويشربه.. ماذا يصنع؟! قد يسطو على الناس يسرقهم أو يقتلهم أو يتسول في الطرقات ولا يهمه أن يعرض نفسه للخطر أو أن يفقد احترام الناس أو أن يخسر علاقاته بهم، ولن نستطيع أن نقول له يمكنك أن تعوض حاجتك إلى الطعام والشراب بحاجتك إلى الأمان أو الحب والقبول أو التقدير والاحترام، مثلما قال أبو ذر رضي الله عنه (عجبت لمن لا يجد قوت يومه، كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه) فلابد من تأمين الحاجات الأساسية للناس وإلا فلا أحد يستطيع أن يتنبأ بسلوك الإنسان عندما يفقد حاجته الأساسية.

ثم وضع ماسلو في المستوى الذي يليه الحاجة إلى الأمان، فالإنسان يحتاج بعد المأكل والمشرب إلى الحماية والأمن من أجل الشعور بالاستقرار والطمأنينة، فيحتاج أن يعيش في بيت آمن، ومنطقة آمنة، وبلد آمن، يحتاج ألا يعتدي عليك أحد، ولا يسلب حقوقه أحد، ولا يهدد كرامته أحد،  كما يحتاج إلى قوانين وأنظمة تمنحه الأمان في الحياة مثل التأمين الصحي والضمان الاجتماعي كما يحتاج إلى الوظيفة والدخل الكافي، ليؤمن لنفسه الحياة الكريمة..

إن مصيبة المصائب حين يفتقد الإنسان الشعور بالأمن في البيت الذي يعيش فيه، حتى لو كان كل ما حوله آمنا فلن يعوضه ذلك،

البيوت التي تسرف في متابعة الأخبار المأساوية الكارثية، أو أفلام الرعب والدماء، أو تترك أولادها تتبرمج مشاعرها بألعاب العنف والقتل، والبيوت التي يكثر فيها لغة التهديد حتى يصبح أسلوب حياة، مثل (إذا لم تسمع الكلام سوف أفعل بك وأفعل بك، إذا لم تفعل كذا سوف ترى ما يحصل لك) وهناك من يبدع في الوعيد بالألفاظ المرعبة مثل (سوف أقتلع قلبك ـ سوف آكل كبدك ـ سوف أفصل لحمك عن عظمك ـ سوف أخزق عينيك) ربما يقول أحد إنها مجرد كلمة، في لحظة غضب، ولكنه في الحقيقة ليس بعذر، فلا تستهينوا بالكلمة، إن الكلمة قد تحيي إنسانا وقد تقتل إنسانا

إن بيوتا كثيرة تعيش حالة انفصال عاطفي، متزوجون لكنهم في الواقع منفصلون، لا مكان في هذا البيت للحب والتقدير والأمان، وكثيرا ما تتردد في جنباته جملة (لولا الأولاد لتركت البيت ـ إنها حياة مقرفة لا تطاق ـ متى ينتهي هذا الكرب) ويطارد الأولاد الشعور بقلق الانفصال، والخوف من المستقبل الغامض الذي ينتظرهم، فيشعر بعض الأطفال أنهم عبء ثقيل لا على أمهم و أبيهم فحسب، بل على الحياة بكاملها، إنهم أطفال صغار لكنهم يستقبلون حياتهم بالشعور بالمعاناة، وربما بعضهم يصاب بالاكتئاب، ويفقد الرغبة في الاستمرار بالحياة، أو يبدأ في رحلة البحث عن الأمان في مكان آخر، لا يعلم ما هو إلا الله!

إنها حاجات نفسية قهرية تبحث عن إشباع، وسوف يسيطر القلق على أصحابها حتى يتم إشباعها، شئنا أم أبينا!

الشعور بالأمان حين يكون مفقودا في البيت، فإن هذا البيت يفتح أبوابه لاستقبال نوبات الهلع والرهاب الاجتماعي وأنواع الفوبيا المختلفة.

إن البيت الهادئ المنسجم واحة مريحة ومصدر للأمان والدفء والصحة النفسية ولو كان أهله فقراء، أما البيت المفكك المكتئب، فهو أكبر مصدر لاضطرابات القلق والأمراض النفسية، ولو كان أهله أغنياء!

 

وفي الحلقة القادمة نتناول (الحاجة للانتماء)  تابعونا..

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


إبراهيم جمعة

ل. آداب قسم اللغة العربية واللغات الشرقية

ليسانس آداب قسم اللغة العربية جامعة الأسكندرية سنة 1993
مرشد تربوي وتعليمي سابق بشركة الفرسان التعليمية
محرر صحفي ومشرف محور الأسرة والطفولة بموقع لها أون لاين
له عدد من المقالات الاجتماعية والحقائب التدريبية في مجال العلاقات الزوجية وتربية الأبناء


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...