تحقيق الذات.. ونظرية ماسلو للحاجات! (2 ـ 5 )

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
13 - شوال - 1441 هـ| 05 - يونيو - 2020


1

أرجو الاطلاع على الحلقة السابقة حتى تكتمل الفائدة على هذا الرابط،

وبعد أن يحقق الإنسان احتياجه من المأكل والمشرب والمسكن والعلاج وهو ما أطلق عليه ماسلو (الحاجات الفسيولوجية) و (الحاجة إلى الأمان) فإن الإنسان يحتاج بعد ذلك إلى (الانتماء)
كل منا يحتاج أحدا بجانبه، فأبونا آدم عليه السلام، ما عاش وحيدا، وإنما خلق الله بجانبه حواء من أول يوم، ليسكن إليها وتسكن إليه، وهذه هي الفطرة، لذلك يحتاج الإنسان من ينتمي إليه، لأنه بطبعه كائن اجتماعي، ينفر من الشعور بالوحدة، يحب أن يتواصل، ليشعر أنه مرغوب ومحبوب ومقبول و فرد مهم في كيان (أسرة ـ عائلة ـ جيران ـ أصدقاء ـ زملاء ـ حي ـ حزب ـ قبيلة...) إنها حاجة عاطفية من حاجات الإنسان التي تمنحه الاتزان والاستقرار والنضج النفسي.
إن الانتماء يرتكز على عنصرين أساسيين هما: الحب والقبول، فإذا كان من أنتمي إليهم لا يحبونني ولا يقبلونني، فكيف أنتمي إليهم؟
إن كل إنسان يحتاج إلى جرعات الحب والقبول بشكل دائم، مثلما الورد يحتاج إلى أن يسقى بالماء كل يوم، فليس كل العطش هو عطش عن الماء، إن أشد أنواع العطش ألما، هو العطش للحب والقبول.
إنني لن أستطيع أن اقبل نفسي ما لم يقبلني من حولي أولا، وخاصة في مرحلة الطفولة، لأن الطفل في هذه المرحلة يشكل صورة عن نفسه من خلال الأشخاص المحيطين به، فإن قبلوه قبل نفسه، وإن رفضوه رفض نفسه.
وأهم شخص تحتاج أن تتأكد من حبه وقبوله لك هو نفسك! لأنك لن تحصل على الحب والقبول من أي أحد، وأنت لا تحب نفسك وتقبلها بغير شروط!
تقبل نفسك كما هي بمميزاتك وعيوبك، بقوتك وضعفك، بحكمتك وجهلك، بكل أحوالك،
وتقبل حياتك كما هي، فحياتك مكتملة، فلا تفترض أنه ينقصك شيء كي تكتمل الحياة، فتظل دائما تشعر بالفقد والتعاسة، مهما أعطتك الحياة.
وهناك فرق بين القبول والموافقة، أنا أقبل نفسي بكل ما فيها وأقبل حياتي بكل ما فيها، ولكن لا أوافقها على بعض ما فيها، وأعمل على تغيير سلبياتي وتحسين حياتي، وكذلك في العلاقات بيننا وبين الآخرين، فمن حقنا ألا نوافق الآخرين فيما يتعلق بالعيوب والسلبيات، لكن ليس من حقنا أن نرفضهم، بل يجب أن نقبلهم لأن الإنسان ليس فقط العيوب والسلبيات، وإنما هو مجموع الإيجابيات والسلبيات والعيوب والحسنات، فاختزال الناس في العيوب فقط هو نوع من الظلم، واختزال الحياة في السلبيات فقط هو جور في الحكم يفتقد إلى المنطق السليم.
مشكلتنا الأزلية في إصرار أحدنا على تغيير الآخر حسب هواه الشخصي، إن الرسالة التي تصل لي عندما تقوم بالإلحاح محاولا تغييري، هي أنك ترفضني على ما أنا عليه، ولا تقبلني إلا بالصورة التي تريدها أنت.
ولا شك أن الشعور بالرفض شعور مؤلم، وإذا شعر الإنسان بالرفض من المحيطين به، توجه من تلقاء نفسه وبطريقة لا واعية لمن يشعره بالقبول، فالطفل الذي يعيش في بيت لا يقبله لسبب من الأسباب، لأنه مثلا يتيم، أو ابن زوجة أخرى أو ابن زوج آخر، أو ربما لشكله أو لسلوكه، أو لإعاقة به، فإن هذا الطفل يفقد الشعور بالانتماء لمن يعيش معهم، ويبحث بشكل لا إرادي عن الانتماء في مكان آخر، حيث يجد فيه الحب والقبول .
ولأننا نحب أنفسنا حبا غير مشروط، أو هكذا يجب أن يكون، فإننا نحتاج أيضا حبا من هذا النوع ونبحث عنه، نحتاج من يقول لنا (أحبك مهما حصل منك) (أحبك لأنك حبيبي وفقط) وليس (أحبك لأنك كذا أو أحبك بشرط أن يحصل منك كذا أو تفعل لي كذا) أو (مات الحب بيننا بسبب ما فعلته من كذا) وكذلك نحتاج من يقول لنا (أقبلك على أي حالة كنت) (أقبلك بكل ما فيك) وليس (أقبلك لأنك كذا أو أقبلك بشرط أن تكون كذا أو تفعل كذا)
إن الحب الذي يبحث عنه الإنسان هو الحب الصافي المجاني الخالص، غير المشروط بشرط أو قيد، فليس بالضرورة أن أقدم مقابلا كي أحظى بالحب.
نحن نحب أبناءنا قبل أن يأتوا إلى الدنيا، ونقبلهم على أي حال، أيا كانت أوصافهم، أولادنا في أعيننا أجمل الأولاد وأحلاهم، حتى لو رفضهم الناس فنحن متحيزون لهم، هذا هو الحب الصافي البريء، وكذلك حب الله تعالى لنا هو أصفى وأنقى وأعظم أنواع الحب، فالحب سر الكون، وأساس كل حركة في هذا الوجود.
والحقيقة أننا نبحث عن هذا النوع النادر من الحب، الحب الأصلي الحقيقي، ونتعطش له، الذي مصدره الله تعالى والذي أودع بعضا منه في قلوب الوالدين، وقلما بعد ذلك أن نجده من إنسان آخر نحونا، أما الحب المنتشر بيننا هو الحب المشروط وإن شئت أن تسميه الحب البديل أو الحب التجاري، القائم على مصلحة، حتى بين أغلب المتحابين، الذين يتظاهرون بالعشق والغرام، ثم لا تلبث محبتهم تنقلب إلى عداوة وانتقام، ونحن نضطر أن نقبل بهذا النوع من الحب، تحت ضغط الحاجة، مثلما نضطر أحيانا أن نقبل بالدواء البديل، لعدم توفر الدواء الأصلي، أو أن نشتري لسيارتنا قطعة غيار تجارية لعدم توفر القطعة الأصلية، التي لا توجد إلا في الشركة الأم أو الوكالة.
إن الحب المشروط في حقيقته ليس حبا لنا، بقدر ما هو حب للشروط، فإذا انتفت الشروط انتفى الحب (إذا فعلت كذا أحببتك) والسؤال: وماذا إذا لم أفعل؟ الواقع أنه سينتفي الحب، وسوف أضطر أن أفعل، كي أحصل منك على الحب، وأتفادى منك الكره والبغض وربما الأذى !
كمن يشتري الحب بماله، وهو يعلم أنهم في الحقيقة لا يحبونه هو، وإنما يحبون جيبه الممتلئ، حتى أصبح يقول والمرارة تعتصر قلبه: (إن قلّ مالي فما خِلٌّ يصاحبني ، وفي الزيادة كلُّ الناس خلاني
كم من عدو لأجل المال صادقني ، وكم صديقٍ لفقد المال عاداني)
وهذا النوع من الحب يطلق عليه (حب السمك) فنحن نتوهم أننا نحب السمك، والحقيقة أننا لا نحبه هو، إنما نحب طعمه، لأننا لو كنا نحب السمك حبا حقيقيا، لا نقبل أن نؤذيه بالشي أو القلي، كذلك أكثر الناس يدعون حبهم لنا، لكنهم في الحقيقة لا يحبوننا نحن، إنما يحبون مصلحتهم التي عندنا، حتى لو رأونا نتألم أو نتعذب، تماما مثلما يحب بعضنا السمك!
وفي الحلقة القادمة نتناول الحاجة إلى التقدير والاحترام.. تابعونا

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


إبراهيم جمعة

ل. آداب قسم اللغة العربية واللغات الشرقية

ليسانس آداب قسم اللغة العربية جامعة الأسكندرية سنة 1993
مرشد تربوي وتعليمي سابق بشركة الفرسان التعليمية
محرر صحفي ومشرف محور الأسرة والطفولة بموقع لها أون لاين
له عدد من المقالات الاجتماعية والحقائب التدريبية في مجال العلاقات الزوجية وتربية الأبناء


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...