تحقيق الذات.. ونظرية ماسلو للحاجات! (3 ـ 7 )

الحاجة إلى التقدير والاحترام..

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
23 - شوال - 1441 هـ| 15 - يونيو - 2020


1

ذكرنا في الحلقتين السابقتين أن ماسلو عالم النفس الأمريكي، تأمل الاحتياجات التي يحتاجها الناس فوجدها ثمانية أنواع، ورتبها حسب شدة احتياج الإنسان لها، بشكل هرمي.

وقلنا إن الإنسان إذا وجد (الاحتياجات الفسيولوجية) من طعام وشراب ومسكن وملبس ودواء، تبرز الحاجة التي تليها وهي (الحاجة إلى الأمان ) فيسعى نحو تأمين راتب شهري وتأمين صحي وضمان اجتماعي وحماية بمختلف أشكالها، فإذا تحقق له الأمن والاستقرار والطمأنينة، برزت الحاجة التي تليها (الحاجة إلى الانتماء) فيسعى إلى الانضمام لكيان اجتماعي مناسب (أسرة ، أصدقاء ، زملاء .. ) أو أي إطار اجتماعي يوفر له الحب والقبول ويشبع حاجته إلى الانتماء..

و لأنه يخشى أن يعيش مهمشا أو مهملا بين الناس، فإنه يحتاج أن يشعر نحو نفسه ب(التقدير والاحترام) وهذه هي الحاجة النفسية التي نتحدث عنها اليوم..

إن الإنسان يبحث عن كلمات الشكر والثناء والمدح من الآخرين، ليؤكد شعوره نحو نفسه بالتقدير والاحترام، لذلك يحرص على أن يكون له دور، وأن يتميز من خلال العمل والإنجاز والنجاح والتفوق وتقديم الخدمات والمساعدات.

ولكن في الحقيقة مهما قدّرك الناس وأنت لا تقدر نفسك وتحترمها، فإنك ستظل جائعا أبدا إلى الشعور بالتقدير والاحترام..

إن معنى التقدير هو أن تعرف قدر ذاتك وتشعر بقيمتك كإنسان، وأن تعيش بين من يعرف قدرك كإنسان، ويعطيك الشعور بالتقدير لك، فأنت كإنسان شخص متميز ولك قدر كبير، أنت معجزة رب العالمين، والله سبحانه لم يمنحك ذاتا حقيرة، وإنما منحك ذاتا عظيمة القدر، غالية القيمة، وجعلك إنسانا مكرما تحمل في يدك شهادة تكريم، منذ أول لحظة ولدت فيها، فأبوك آدم عليه السلام، الذي نفخ الله فيه من روحه، وأمر الملائكة الذين هم أرقى المخلوقات بالسجود له، فأنا وأنت أبناء من سجدت له الملائكة، نحن جميعا أمراء، من الأسرة المالكة لهذه الأرض، ونحن جميعا من حيث الأصل مكرمون، كما يقول الله سبحانه (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر)

والإنسان يختلف عن الحيوان بالوعي والمعرفة، بالوعي استطاع الإنسان أن يسخر الحيوان، وأن يسخر كنوز الأرض، بالوعي درس الإنسان الحيوان واستفاد منه، بينما الحيوان يعجز أن يدرسنا أو ينافسنا، بالوعي استطاع الإنسان أن يطور ويبتكر ويخترع، حتى سيطر على مقدرات الكوكب، وأصبح سيدا له، والذي جعله كذلك هو الله تعالى، الإنسان هو الكائن الذي يسير على قدمين، منتصبا ورافعا رأسه لفوق، هو المخلوق الذي ينام على ظهره وهو ينظر للسماء.

هذا هو التكريم، وهذه هي الكرامة الإنسانية، ولا شك أنه شعور جميل، أن تشعر أنك إنسان عظيم ومكرم وتستحق التقدير.

أما الاحترام، فمعناه أن أجعل نفسي مثل الحرم الآمن، فكرامتي وعرضي ومالي ودمي وحريتي وحقوقي كلها مقدرة ومحترمة ومصانة ومحفوظة.

مثلما نحترم الكعبة أي نجعل لها حرمة، فنحرم الاعتداء والإيذاء لأي إنسان أو حيوان في هذا المكان ، و الإنسان تحديدا له حرمة دائمة، لا تسقط عنه إلا بالحق والعدل، تسقط عنه فقط حين يسقطها هو عن نفسه، بالإجرام وبالتعدي على حرمات الآخرين.

فليكن في روعك دائما، أنك حين تهين شخصا، فأنت تهين ابنا من أبناء سيدنا آدم عليه السلام، الذي كرمه الله وأسجد له ملائكته، وحين تقتله أو تسرقه أو تظلمه، أو تشتمه، أو تسخر منه، أو تلعنه، أو تقهره، أو تدمره، أو تفضحه، أو تغتابه، أو تشمت به، أو لا ترعى حرمته ميتا، بعدما انتقل إلى ربه، فأنت كمن يتعدى على حرمات الكعبة المشرفة، بل أعظم من التعدي على الكعبة، لأن الإنسان هو بنيان الله تعالى، وفيه نفخة من الله تعالى، وله تكريم كبير عند الله تعالى

وأنت حين تهين إنسانا، فإنما تهين نفسك، لأنك تنتمي إلى جنسه، وتهين الناس جميعا، وحين تعين إنسانا، فإنما تعين نفسك، وتعين الناس جميعا (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)

ربما يرى البعض في كلامي قدرا من المبالغة والمثالية، بسبب القاع الذي وصلت إليه الأخلاق والقيم.. حتى أصبح من الترف أن نتكلم عن التقدير والاحترام، في وقت لا تحترم فيه أبسط حقوق للإنسان، لكن على الأقل ما الذي يمنع أن نعيش بهذه المعاني على مستوانا الشخصي والأسري والعائلي، والاجتماعي إن أمكن، ما الذي يمنعك أن تشعر بالتقدير والاحترام نحو نفسك ومن حولك.

وبعض الناس ربما يعطي مسوغا لما يفعله من انتهاكات لحقوق الناس وسخرية بهم واحتقار لهم، بسبب كثرة ما تعرض منهم من أنواع الظلم والإهانات، وهذا إن كان في ظاهره يحمل بعض العذر، إلا أن قيمنا الإسلامية، كانت ولا تزال تؤكد على أن نعفو عمن ظلمنا، ونعطي من حرمنا، ونصل من قطعنا (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة، كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)

وفي الحلقة القادمة نتناول الحاجة إلى الشعور بالجمال.. تابعونا

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


إبراهيم جمعة

ل. آداب قسم اللغة العربية واللغات الشرقية

ليسانس آداب قسم اللغة العربية جامعة الأسكندرية سنة 1993
مرشد تربوي وتعليمي سابق بشركة الفرسان التعليمية
محرر صحفي ومشرف محور الأسرة والطفولة بموقع لها أون لاين
له عدد من المقالات الاجتماعية والحقائب التدريبية في مجال العلاقات الزوجية وتربية الأبناء


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...