تحقيق الذات.. ونظرية ماسلو للحاجات! (5 ـ 7 )..

الحاجة إلى المعرفة..

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
27 - ذو الحجة - 1441 هـ| 17 - أغسطس - 2020


1

ذكرنا في الحلقات السابقة أن عالم النفس الأمريكي ماسلو، تأمل الاحتياجات التي يحتاجها الناس فوجدها ثمانية أنواع، ورتبها حسب شدة احتياج الإنسان لها، بشكل هرمي، ويمكنكم الاطلاع عليها في المنشورات السابقة بالصفحة حتى تكتمل الفائدة

ونتحدث اليوم عن الحاجة السادسة وهي (الحاجة إلى المعرفة)

إذا كانت الحاجات الفسيولوجية من طعام وشراب هي غذاء الجسد، و إذا كان الشعور بالأمان والانتماء والتقدير والاحترام والجمال هي غذاء النفس، فإن المعرفة هي غذاء العقل.

الحاجة إلى المعرفة هي حاجة فطرية في الإنسان منذ ولادته، فالإنسان يولد فضوليا، من أول لحظة في حياته يدفعه الفضول إلى ان يعرف ما يدور حوله، ويلاحظ بدقة كل الأشياء، وبسرعة يكتسب اللغة، ويتشرب الثقافة، ويكون المفاهيم، فالإنسان كائن معرفي بالدرجة الأولى .

منذ أن يستهل الإنسان إلى الحياة، يبدأ دماغه يتساءل: ما هذا؟ وكيف يحدث؟ ولماذا يحدث؟ وماذا لو لم يحدث؟ هذه الأسئلة الأربعة هي التي قادت البشرية، لاكتشاف أسرار الكون، والسيطرة عليه، والعلم هو الذي يهتم بالسؤالين الأولين: ( ما هذا؟ وكيف يحدث؟ ) والفلسفة هي التي تهتم بالسؤالين الأخيرين: (لماذا يحدث؟ وماذا لو لم يحدث؟)

الإنسان ولد جاهلا لا يعلم شيئا عن شيء، لكنه لم يولد غبيا، بل ولد ذكيا وفضوليا ولماحا ومتسائلا، من خلال الحواس التي منحه الله تعالى (والله خلقكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة)

الإنسان بفطرته يريد أن يعرف، ويخاف من الغموض ويقلق، وبالمعرفة يتبدد الغموض وتزول المخاوف.

أنت حين تدخل في مكان غامض ومظلم ولا تعرفه، يصيبك الخوف والقلق والتوتر، فتحتاج أن تنيره وتعرف طبيعة المكان وتكشف مداخله، وتتعرف على الناس الذين يقطنون به، فعند ذلك تألف المكان والناس وينخفض مستوى القلق والتوتر لديك، لأن المعرفة تمنحك الشعور بالراحة والطمأنينة والمتعة والإثارة.

يظل العقل جائعا إلى المعرفة، ومتعطشا إلى الفهم، وعاطفة الفضول هي التي تدفع الإنسان لمعرفة ما حوله واكتشاف نفسه، من خلال السؤال والقراءة والاطلاع والبحث ومتابعة الأحداث، وأنتم حين تقرؤون هذا المقال، فإن الذي يدفعكم إلى مواصلة القراءة هو عاطفة الفضول.

لا يوجد أحد ليس فضوليا، حتى لو كان لا يحب القراءة، فإنه سيكون فضوليا بوسيلة أو بأخرى، لأن الإنسان كما قلنا بطبعه فضولي، وحين لا يكون فضوليا غالبا ما يكون مريضا، فأحد علامات مرض الاكتئاب هو الانعزال وترك الفضول وعدم الاهتمام والاكتراث، وفقدان الشغف والحماس.

ولكن مشكلة الفضول حين يزداد عن حده، وهو ما يعرف ب (الفضول الزائد) وهو صفة مزعجة للغاية، وأحيانا يكون مؤشرا على الاضطراب النفسي، فحين يقوده الفضول إلى الانشغال الزائد بتوافه الأمور، والمغالاة فيها، فيضيع وقته في تتبع أخبار الناس، ويبالغ في الانشغال بأحوالهم، فيقضي حياته كلها فراغا في فراغا، وتتسرب من بين أصابعه لحظات عمره الغالية في اللا شيء، بين حقد وحسد وتجسس وشماتة وغيبة ونميمة، فكما تقول الحكمة (من راقب الناس مات غما) و كما ورد في الحديث الشريف (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)

وربما تجدها فتاة أو شابا مقبلين على الزواج، ينسى في غمرة فضوله الزائد أن يعطي وقتا لتطوير ذاته والارتقاء بنفسه، ليفهم نفسه بعمق أو يعرف كيف يتعامل معاملة إيجابية مع نفسه ومع شريك حياته، وأحيانا تجدها أما أو أبا لديهما أولاد ولا يعطي أحدهما اهتماما كافيا لمتابعة البرامج أو قراءة الكتب التي تعينه على تربية أبنائه تربية إيجابية.

لاشك أننا جميعا تميل نفوسنا إلى الترويح وهو من احتياجات النفس الأساسية، كما أوضحنا في حلقة (الحاجة إلى الجمال) لكن الترويح عن النفس يأتي بعد أن تمل النفس من العمل الجاد والمعرفة المفيدة، أما أن تصبح الحياة كلها عبثا ولهوا، فهذا تضييع للعمر، سوف يسألنا الله عنه (لا تزولا قدما عبد يوم القيامة، حتى يسأل عن أربع: عن وقته فيما أمضاه وعن عمره فيما أفناه ... الحديث)

يمكن تحويل صفة الفضول الزائد من صفة مذمومة إلى صفة حميدة، عن طريق حيلة نفسية تعرف في علم النفس (حيلة التسامي) وهي إحدى الحيل النفسية الدفاعية، التي تلجأ إليها النفس، حين تلاحظ أن صفتها تزعجها وتزعج الآخرين، فتفكر في طريقة لتحول صفتها المزعجة، إلى صفة مقبولة مجتمعيا.. مثل الأشخاص ذوي الميول العنيفة، الذين يتورطون في إيذاء من حولهم، فإنهم يتجهون لأنواع الألعاب الرياضية ليفرغوا طاقتهم فيها، وربما يحترفون إحدى هذه الألعاب وينجحون فيها، وكذلك الأشخاص الذين يتصفون بالفضول الزائد، فبدلا من الانشغال بالناس وتتبع أخبارهم، يمكنهم أن يوجهوا فضولهم الزائد نحو المعرفة الجادة المفيدة، في المجال الذي يلائمهم، فأينشتين يقول عن نفسه: (أنا لست موهوبا، بل فضولي بشغف) ولكن ما ميز أينشتين هو أنه وجه شغفه بالفضول نحو المعرفة الفيزيائية المفيدة له وللبشرية، فأصبح فضوله الزائد هو مكمن قوته وموهبته الحقيقية.

وجه فضولك نحو المعرفة الجادة المفيدة، التي تتصل باهتمامات حياتك، فالمعرفة قوة، والجهل ضعف.

وفي الحلقة القادمة نتناول (الحاجة إلى الإيمان العميق) .. فتابعونا

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


إبراهيم جمعة

ل. آداب قسم اللغة العربية واللغات الشرقية

ليسانس آداب قسم اللغة العربية جامعة الأسكندرية سنة 1993
مرشد تربوي وتعليمي سابق بشركة الفرسان التعليمية
محرر صحفي ومشرف محور الأسرة والطفولة بموقع لها أون لاين
له عدد من المقالات الاجتماعية والحقائب التدريبية في مجال العلاقات الزوجية وتربية الأبناء


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...