تحقيق الذات.. ونظرية ماسلو للحاجات! (6 ـ 7 )

الحاجة إلى الإيمان العميق

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
11 - محرم - 1442 هـ| 30 - أغسطس - 2020


1

 ذكرنا في الحلقات السابقة أن عالم النفس الأمريكي ماسلو، تأمل الاحتياجات التي يحتاجها الناس فوجدها ثمانية أنواع، ورتبها حسب شدة احتياج الإنسان لها، بشكل هرمي، ويمكنكم الاطلاع عليها في الحلقات السابقة بالموقع حتى تكتمل الفائدة

ونتحدث اليوم عن الحاجة السابعة وهي (الحاجة إلى الإيمان العميق) فمهما استوفى الإنسان كل حاجاته، من طعام أو شراب أو أمان أو احترام أو معرفة أو جمال، فإنه يبقى في نفسه حاجة عميقة، لا يشبعها سوى الإيمان بالله تعالى، وذلك أن الله تعالى هو مصدر وجودنا، والانقطاع عن هذا المصدر، يولد في النفس شعورا عميقا بالحيرة، لا يهدأ أبدا إلا بالاتصال به.

الإنسان يحتاج أن يشعر أنه في هذه الحياة ليس وحده، بل هو متصل بمصدر وجوده اتصالا فعالا، يكلمه ويدعوه ويلجأ إليه ويرجوه، يحتاج أن يشعر أن معه من يحبه ويقبله، من يحنو عليه ويرحمه، من يعذره ويسامحه، من يحفظه ويرعاه، ولا يستطيع أحد أن يسد هذا الاحتياج، سوى من دفع بنا إلى هذه الحياة، حتى الأبوين لا يقدران على إشباعنا إشباعا كاملا بهذه الحاجات لأنهما ليسا مصدر وجودنا، وإنما هما سبب وجودنا، لكن مصدر وجودنا، هو الذي خلقنا، وشق سمعنا وبصرنا، ونفخ فينا من روحه، ولذلك فهو أرحم بنا من أمهاتنا، لأن علاقتنا به أوثق وأقوى من علاقتنا بوالدينا، وهو الذي يبقى لنا حتى بعد موت الوالدين.

إننا حقا نحتاج الإيمان بالله تعالى لنسكن ونطمئن، فبدونه سوف نشعر بالخوف الشديد من الحياة، ونراها تجربة تعيسة لا نتمنى تكرارها، ومع قوة الإيمان سوف نبتسم لتجربتنا في الحياة، ونرضى بها ونراها تجربة سارة، مهما كان بها من ابتلاءات أو صعوبات!

إن الإيمان وحده هو الذي يثبت أقدامنا، ويفسر لنا الغاية من وجودنا والحكمة من خلقنا، فلن يستطيع العلم ولا الفلسفة أن يحدثانا عن عالم الغيب، ولن يقدر كلاهما أن يجيبانا بيقين عن الأسئلة الوجودية الكبرى (من أين جئنا؟ ولماذا؟ وإلى أين المصير؟)

إن شعور الإنسان أنه جاء إلى الدنيا دون حكمة وغاية، وأنه لا شيء دفع به إلى هذا الوجود سوى الصدفة العمياء، هو شعور مخيف ومرعب، ويحمل الإنسان فورا على مغادرة الحياة، فما الذي يستحق أن يبقى من أجله هذا الإنسان في هذا العالم، إذا كان فعلا جاء صدفة وبدون حكمة وغاية، ولماذا يتعين عليه أن يستمر أو يتحمل؟ وما الذي يجبره على البقاء؟! ولماذا يقاوم الظلم ويدافع عن المظلوم؟ ولماذا يعطي الفقير أو يحنو على الضعيف؟! ولماذا يتزوج أو يكون أسرة أو ينجب أطفالا؟! ولماذا يعيش أو يعمل أو يأكل أو يشرب؟!

إن الإيمان هو الحاجة الأهم في هذه الحياة، بل هو سيد الحاجات كلها، فالإنسان حين يفقد الإيمان، يفقد معنى الوجود، ويفقد الإحساس بالقيمة، ويفقد القدرة على الاستمرار، ويلازمه الشعور بالضياع، إذ وجوده والعدم سواء، تماما كما قال أحدهم: (جئت لا أعلم من أين، ولكني أتيت، ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت، وسأبقى سائراً، شئت هذا أم أبيت، كيف جئت؟ كيف سرت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري، ولماذا لست أدري؟ لست أدري) أي شعور قاتل بالعبث والضياع هذا! وأي إحساس مرير بالوحشة والاكتئاب!

إن الإيمان بالله مسكون في أعماقنا شئنا ذلك أم أبينا، ولكن منا من يتهرب منه ويخفيه، ومنا من يتواصل معه وينميه، سأل رجل الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه، عن الله تعالى فقال: ألم تركب البحر؟ قال: بلى. قال: فهل هاجت بك الرياح العاصفة، قال: نعم. قال: وانقطع أملك حينئذ من الملاحين ووسائل النجاة؟ قال: نعم قال: فهل خطر ببالك وانقدح في ذهنك أن هناك من يستطيع أن ينقذك إن شاء؟ قال: نعم، قال جعفر الصادق: فذلك هو الله، وهذا مصداق لقول الله تعالى : (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)

ونحن في هذه الفترة العصيبة التي نحياها، ومخاوف كورونا تحاصرنا في كل مكان، وقد ظهر عجز البشر كما لم يظهر من قبل، وحار العلم، وعجز الطب، وعز الدواء، إننا في حقيقة الأمر لا نثق إلا في الله، ولا نتوجه بكل كياننا إلا إلى الله، لأننا نعلم يقينا أنه لا يملك الشفاء على الحقيقة إلا من يملك نفوسنا، وحده (والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين)

أيها المبتلى في هذه الحياة، هون على نفسك فإن هناك إلها رحيما يسمع لك ويرى ما بك، أيها المظلوم، صبرا، فإن هناك إلها عادلا ليس بينه وبين دعائك حجاب، أيها المخطئ، أبشر، ولا تيأس من عفوه، ولا تقنط من رحمته، إنه يغفر الذنوب جميعا.

أنت مع الإيمان مطمئن، مهما هبت العواصف أو تقلبت الأعاصير، لأنك تشعر أنك على تواصل حقيقي بمصدر وجودك في هذه الحياة، حتى لو رحل أبواك، فإن مصدر وجودك لم ولن يرحل، فأنت مع الحي حياة أبدية وسرمدية فلا يموت أبدا، ومع القوي قوة عليا فلا يغلب أبدا، ومع القادر قدرة مطلقة فلا يعجز أبدا..

قالت هاجر لإبراهيم عليهما السلام، حين تركها في صحراء جرداء لا زرع بها ولا ماء: آلله أمرك بهذا يا إبراهيم؟ قال: نعم، قالت: إذن لن يضيعنا! لذلك جعل الله تعالى هذا الحدث عيدا للمؤمنين، وجعل السعي بين الصفا والمروة تخليدا لانتصار الإيمان الذي توفر عند أمنا هاجر، فأغناها وكفاها وأعطاها الأمان والضمان، فلا قلق على طعام أو شراب أو رزق أو حماية أو رعاية.. كما قال القائل: فإذا العناية لاحظتك عيونها ... نم، فالمخاوف كلهن أمان

وفي الحلقة القادمة نتناول الحاجة الأخيرة التي يحتاجها الإنسان وهي (الحاجة إلى تحقيق الذات) انتظرونا..

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


إبراهيم جمعة

ل. آداب قسم اللغة العربية واللغات الشرقية

ليسانس آداب قسم اللغة العربية جامعة الأسكندرية سنة 1993
مرشد تربوي وتعليمي سابق بشركة الفرسان التعليمية
محرر صحفي ومشرف محور الأسرة والطفولة بموقع لها أون لاين
له عدد من المقالات الاجتماعية والحقائب التدريبية في مجال العلاقات الزوجية وتربية الأبناء


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...