تحقيق الذات.. ونظرية ماسلو للحاجات! (7 ـ 7)

الحاجة إلى تحقيق الذات

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
15 - محرم - 1442 هـ| 03 - سبتمبر - 2020


1

ذكرنا في الحلقات السابقة أن عالم النفس الأمريكي ماسلو، تأمل الاحتياجات التي يحتاجها الناس، فوجدها ثمانية أنواع، ورتبها حسب شدة احتياج الإنسان لها، بشكل هرمي، ويمكنكم الاطلاع عليها في الحلقات السابقة المنشورة بالموقع حتى تكتمل الفائدة، ونتحدث اليوم عن الحاجة الثامنة والأخيرة، وهي (الحاجة إلى تحقيق الذات)
في الحلقات السابقة قلنا أنك تحتاج إلى الطعام والشراب والمأوى والملبس وتحتاج إلى الشعور بالأمان والحب والقبول والتقدير والاحترام وتحتاج إلى المعرفة وإلى الجمال وإلى الإيمان والمفروض أن النتيجة الطبيعية اليوم هي أن تتحقق ذاتك بمعنى أن تنضج وتثمر، وتظهر على حقيقتها بتفاصيلها واختلافها وجمالها وبصمتها المتفردة.
كل الحلقات السابقة في هذه السلسلة نستطيع أن نضعها تحت عنوان (تحقيق الاحتياجات) أما حلقة اليوم فلها عنوان مختلف وهو (تحقيق الذات) فتحقيق الذات هو الغاية وهو الثمرة المرجوة من إشباع الذات باحتياجاتها.
مدرسة علم النفس الإنساني والتي رائدها ماسلو، ترى أن جميع الناس هم أخيار بالفطرة، ولدوا مزودين بالمبادئ الفطرية الإيجابية الخيرة، وهذه المبادئ هي الحقائق الأولية المنطقية والعاطفية التي يحكم بها العقل ويميل إليها الوجدان بالفطرة، وكأن عقل الإنسان ووجدانه مصممان عليها منذ أول لحظة لمجيئه إلى الدنيا، وهي تشكل البذرة الأصلية للإنسان وجوهره الحقيقي.
إن جوهر الإنسان كما تقول هذه المدرسة مصمم على الخير، فنحن جميعا مولودون بمبادئ فطرية سواء كانت منطقية أو عاطفية، لا يمكن أن نغيرها، ولكننا نستطيع أن نخالفها.
فالعقل يقوم على المبادئ المنطقية الأساسية التي من أهمها: مبدأ السببية، وعدم التناقض، والغائية، وهي مبادئ منطقية وعادلة وجميع العقول السليمة متفقة عليها.
والوجدان يقوم على مبادئ عاطفية أساسية: مثل النفور من القسوة والغدر والظلم، والرغبة في الرحمة والوفاء والعدل، فنحن بفطرتنا نكره الظلم ونحب العدل وهكذا.
وهذا هو الجوهر الحقيقي للإنسان، وكلما اقترب الإنسان منها، كلما اقترب من ذاته الحقيقية، وكلما ابتعد عنها، ابتعد عن ذاته الحقيقية.
إن ماسلو يريد أن يقول: إن الإنسان إذا حقق جميع احتياجاته بشكل متوازن، من الأمان والحب والقبول والتقدير والاحترام والمعرفة والجمال والإيمان فإنه سوف يحقق ذاته أي أنه سوف يجد ذاته الحقيقية الفطرية، السوية، المتزنة، الإيجابية، الجميلة، البريئة، المحبة للحياة، المتفائلة، المبدعة.
أما إذا لم يحقق جميع احتياجاته بشكل كاف، فإنه سوف ينتج عن ذلك ذات غير مطابقة لمواصفات الذات الحقيقية، نستطيع أن نطلق عليها الذات الزائفة أو الوهمية، ذات بها أجزاء من الحقيقة حسب نسبة تحقق الاحتياجات، وأجزاء من الوهم والزيف، حسب نقص الاحتياجات.
وهذا الوهم الذي طرأ على الذات إنما هو من خلال طرق التربية الخاطئة غير المتوازنة، ومن خلال الأفكار السلبية التي يتشربها الإنسان من البيئة المحيطة منذ الصغر، والتي شوهت ذاته الحقيقية وكدرت فطرته النقية.
وهذا يتوافق مع ما ورد في الأثر الشريف (إني خلقت عبادي كلهم حنفاء، واجتالتهم الشياطين عن دينهم)
فالأصل في خلقة الإنسان أنه مخلوق على الفطرة السليمة النقية، وأن ما يغيرها عن طبيعتها هو البيئة السلبية المحيطة التي لا تمد الإنسان باحتياجاته الطبيعية، بل وتشبعه بالأفكار السلبية، وطريقة التربية الخاطئة التي تشوه من فطرته الأصلية النقية.
وربما أغلبنا (وما أبرئ نفسي) يعاني من هذه الذات الزائفة، التي تسيطر عليها المشاعر السلبية وتتحكم فيها طرق التفكير الخاطئة، والتي تطمس تحتها ذواتنا الحقيقية الطيبة النقية، ولكننا لا يجب أن نقف مستسلمين، وعلينا أن نعيد المحاولة مرة بعد مرة، دون كلل ولا ملل، لنصحح ما استقر في أعماق طفولتنا من أفكار سلبية، ونشبع ما نقص من احتياجات إشباعا ذاتيا، من خلال تعديل الصورة الذهنية عن أنفسنا وتصحيح الصوت الداخلي بنا، لنعيد أنفسنا إلى حقيقتها الجميلة وفطرتها النقية التي فطرها الله عليها.. (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)
وليس بالضرورة حين تحقق ذاتك أن تكون قد جمعت الأموال، وحصلت أعلى الشهادات، ووصلت إلى أعلى المناصب، فقد يكون خادم في قصر على درجة عميقة من الوعي بالذات، ومعرفة أفكاره ومشاعره وقادر على ضبطهما من خلال الحوار الإيجابي مع ذاته، قد يكون هذا الخادم أكثر استقرارا نفسيا، وشعورا بالقيمة، وتحقيقا للذات، بينما مالك القصر رجل متكبر وعنصري، لا يحترم نفسه ولا يقدرها، وغير مدرك لقيمته، ولا لمعنى وجوده في الحياة، وبالتالي يعيش مكتئبا دائما، ولا يعرف طعما للسعادة، وربما يقف على حافة الانتحار، والخادم بجواره يعيش مرتاح البال، مطمئنا وسعيدا، واثقا ومتفائلا!
فتحقيق الذات هو حالة يصل إليها من يعمل لها، ويتعب من أجلها.
يقول ماسلو: (ما تستطيع أن تكونه، يجب عليك أن تكونه) بمعنى أن تحقيق الذات هو أن تكون أنت، أن تعيش حقيقتك أنت، أن تعبر عن شخصيتك أنت، دون نفاق ولا تصنع!
أن تقول نعم لما تحب أن تقول له نعم، دون قيد، وأن تقول لا لما تحب أن تقول له لا دون خوف!
أن تظهر وفق ما تبطن دون ارتباك، أن تكون شخصية حقيقية غير زائفة.
إن ما يحمل البعض على النفاق والتصنع، هو أننا فعلا مرتبكون بين ظاهرنا وباطننا، أغلبنا لا يعرف من هو، أغلبنا لا يستطيع أن يفرز ذاته الحقيقية من ذاته الزائفة، أغلبنا لا يستطيع أن يحدد طرق التفكير السلبية المتحكمة في شخصيته، أغلبنا لا يستطيع أن يحدد الاحتياجات الناقصة التي لم تشبع في طفولته.
ولذلك فإن الخطوة الأهم في طريق تحقيق الذات هي الوعي بالذات!
إن الذين يصلون إلى مرحلة الوعي بالذات، ومن ثم تحقيق الذات، لا يتوقفون عند هذه المرحلة، بل يتوقون إلى مرحلة أكبر، تشتاق إليها نفوس السعداء من البشر، وهي مرحلة (تجاوز الذات) كما سماها ماسلو، مرحلة المتصالحين مع أنفسهم، ومع الناس، ومع الحياة، الذين يفيضون بالحب والتسامح، ويستمتعون بالبذل والعطاء، ويتلذذون برسم البسمة على الشفاه، فهؤلاء هم الاستثنائيون من البشر، الذين حققوا ذواتهم، ثم فاضوا على غيرهم، وهؤلاء كما وصفهم الحديث الشريف هم (خير الناس أنفعهم للناس)

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


إبراهيم جمعة

ل. آداب قسم اللغة العربية واللغات الشرقية

ليسانس آداب قسم اللغة العربية جامعة الأسكندرية سنة 1993
مرشد تربوي وتعليمي سابق بشركة الفرسان التعليمية
محرر صحفي ومشرف محور الأسرة والطفولة بموقع لها أون لاين
له عدد من المقالات الاجتماعية والحقائب التدريبية في مجال العلاقات الزوجية وتربية الأبناء


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...