تربية خمس نجوم! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

تربية خمس نجوم!

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
30 - رجب - 1440 هـ| 06 - ابريل - 2019


1

لقد احتلت التربية منزلة الصدارة في حوارات الكثير من المجالس، وأصبحت محور هموم جُل البيوت.. ومع ذلك فإن معالمها غير واضحة بشكل جيد لدى الكثيرين. فيتناولها الجميع من زوايا مختلفة تتأرجح بين العلم والخبرة والتحديات المعاصرة ومشكلات الأبناء المختلفة. حتى أصبحنا بحاجة لمعايير تضبط أهم معالمها؛ لتصل للنجومية التي ننشدها.. لكن قبل الحديث عن نجومية التربية من المهم توضيح معنى التربية بشكل واضح لا لبس فيه. فبالرغم من تداول هذا المصطلح كثيراً إلا أن مضمونه الصحيح اختلط مع بعض العوامل الأخرى فأصبحت التربية تُمثل أجزاءها الثانوية كالرعاية مثلاً مع إهمال المضمون الجوهري لها من غرس القيم وتعديل السلوك. فنسمع كثيراً آهاتٍ شاكية من والدين يتألمان على ما بذلاه من مال وجهد في رعايتهم لأبنائهم دون تقصير منهما في هذا الجانب - على اعتبار أن ما قاما به التربية بعينها- لكنهما لم يحصدا ثماراً تربوية في أبنائهمتكافئ جهدهماالمبذول.

لذلك فإنه من المهم توضيح مفهوم التربية لاستخلاص أهم عناصرها ليتم التركيز عليها. فالتربية: عبارة عن مفهوم شامل يجمع بين الرعاية كالاهتمام بالمأكل والمشرب والملبس والحماية من الأخطار. والتعليم بغرس القيم في الأبناء، وتنمية قدراتهم العقلية والفكرية والنفسية.. وصقل شخصياتهم من كافة الجوانب من خلال التوجيه والتهذيب لسلوكياتهم؛ ليصبحوا ذو شخصيات قادرة على الاستقلال والتعايش مع المتغيرات المختلفة ومعرفة ما يصح من القيم الخلقية والاجتماعية والدينية، مع احترام قيمهم الثقافية والاجتماعية. وما نحن بحاجة لتوضيحه هو أن الرعاية جزء بسيط من المهام التربوية ولا يمكن حصر التربية به. فالعناصر الأخرى هي أهم وأصعب من الرعاية.

والتربية ذو مهام متعددة تحتاج للمشاركة بين الوالدين؛ لتبادل المهام والتفاعل مع الأبناء. فبالرغم من وجود ركائز متعددة للتربية. إلا أن المُربي هو الركيزة الأهم في العملية التربوية للوصول لنجومية التربية. لذلك فإننا بحاجة للاهتمام به ليكون جديراً بالمهمة التربوية التي تتطلب منه تهذيب شخصيته وخلقه أولاً، وتقويم سلوكياته الشخصية وأساليب تعامله مع الأبناء. فضلاً عن الأساليب التربوية المناسبة لتعديل سلوكياتهم. فلا ترتسم التربية بشكل مثالي إلا إن حرص المربي أن يكون قدوة جيدة لأبنائه بخلقه وسلوكه.. فالتربية سلوك يُحتذى به لا قول يجمع بين الأمر والنهي. وصدق من قال: (إن تربية الطفل تبدأ قبل ولادته بعشرين عاماً، وذلك بتربية أمه).

 وفي سبيل تحقيق النجومية في التربية فإنه على المربي أن يركز على خمس محاور، ويقيم نفسه بنفسه بأن يمنحها نجمة تربوية واحدة على كل محور يتمكن منه ويقوم به بشكل يتناسب مع عمر الأبناء وظروفه الأسرية.. وتتمثل المحاور الخمسة في الآتي:

  • تفهم وإشباع احتياجات الأبناء: إن لكل عمر احتياجات مختلفة تتمحور سلوكيات الأبناء من خلالها، فإن تم الإشباع دون إفراط ولا تفريط كانت سلوكياتهم إيجابية متناسبة مع أعمارهم. وإن تم إهمالها أو إشباعها بطريقة خاطئة عندها تظهر السلوكيات السلبية. فالحاجة تولد الدافع لإشباعها وبالتالي ينتج السلوك.ومن خلال الإشباع المناسب للاحتياجات يعمل الوالدان على غرس القيم الخلقية والدينية بأسلوب يتناسب مع عمر الابن واحتياجاته المختلفة.
  •  فالطفل دون سن المدرسة مثلاً: له احتياجات كثيرة من أهمها حاجته لإثبات ذات مستقلة حيث تولد شخصيته في هذه المرحلة العمرية. فهو بشكل خاص يحتاج لإثبات نفسه وأن يُظهرللجميع بأنه شخصية مستقلة عن الوالدين ويستطيع القيام بأعمال كثيرة بنفسه.. وحرمانه من إشباع هذه الحاجة وعدم تفهم بعض سلوكيات إثبات الذات لديه ومقابلتها بمقاومة الوالدين.. يُولد لديه سلوك العناد وقد تمتد للعدوانية في سبيل إظهار ذاته. أما في السنوات الأوائل من دراسته فيحتاج -على سبيل المثال لا الحصر - لإشباع عاطفي ومادي وحرمانه منهما قد يولد لديه دافع السرقة لإشباع ما حرم منه من مادة، أو إشباع بديل للعاطفة المحروم منها بإشباع مادي بديل عن طريق السرقة. وكذلك المراهق من أهم احتياجاته التقبل والحب الأسري الذي بحرمانه منه يجعله يبحث عن عالم آخر يتقبله دون نقد يثبت نفسه من خلاله ويجد بينهم المحبة والتقبل حتى لو كانوا رفاق سوء.. وعندها نتساءل لم ينحرف المراهق؟

  • تفهم شخصياتهم: وهي من أصعب المهام التربوية على الوالدين. فهما كثيراً ما يحتاران في اختلاف طبيعة الأبناء ويتعجبان أن ذلك يحدث رغمأنهما في بيت واحد مع الأبناء ويتعاملان معهم بطريقة موحدة تقريباً، لكن لا يجدان نفس الاستجابة منهم. فمنهم السهل المتقبل وآخر يحتاج للإقناع والتكرار وما زال يجادل. والحقيقة أن ذلك أمر طبيعي ولا يُشكل مشكلة إلا إن أساء الوالدان فهم طبيعة هذه الاختلافات وأدارا العملية التربوية بشكل يدمج بين المقارنة بين الإخوة؛ لتحفيز الأقل بينهم -من وجهة نظرهما- أو استخدما أساليب غير تربوية تميل للعنف؛ لتطويع ذو الشخصية الصلبة ليكون كإخوته. والحليكمن في مراعاة الفروق الفردية بين الأبناء والتعامل مع كل واحد منهم على أنه شخصية مستقلة لها قدراتها الخاصة وطاقتها وشخصيتها التي تختلف بما حباها الله من ميزات مستقلة ومختلفة. وأن هذا الاختلاف يعود أيضاً لعوامل أخرى حسب ترتيب الابن بين إخوته ولاختلاف زمانه وظروف كثيرة أخرى أسرية واجتماعية. فمتى تفهم الوالدان هذه النقطة انتقلا من مرحلة المواجهة مع الأبناء إلى مرحلة التقبل والدعم لشخصياتهم وتنمية قدراتهم كل على حدا.
  • التواصل والحوار معهم: لقد اختلف أسلوب التواصل مع هذا الجيل عن السابق فلم يعد التواصل المباشر في الصدارة، بل تميز عنه التواصل الإلكتروني؛ لما له من ميزات كالتوافق مع عقول الأبناء وبالتالي يكسر الحاجز بينهم وبين والديهم ويردم الفجوة بين الجيلين. فهو في الحقيقة وسيلة تربويةلا يصح التغافل عنها لم لهامن غاية مهمة. فالتواصل المثمر الممزوج بالإصغاء والذي يعني الاهتمام والمحبة والاستماع بإمعان دون انشغال أو نقد نصل من خلالهلنتفهم احتياجاتهم ومشكلاتهم وبالإجمال شخصياتهم فالكثير من المشكلات التربوية يبدأ علاجها بالإصغاء الجيد لهم إن لم تنتهي المشكلة به. فكثيراً ما يكون الأبناء بحاجة لتفريغ ما بداخلهم من ضغوط والتحدث بصوت مسموع لتنظيم أفكارهم خاصة في مرحلة المراهقة. وأيضاً من خلاله تُبنى العلاقة التربوية بالشكل المتناسب مع الأبناء عبر الوسائل المحببة لهم كبرامج التواصل. ولذلك فهو مدخل مهم لأنفسهم من جوانب كثيرة ليصل الوالدان إلى مرحلة المصاحبة والتي هي لب العملية التربوية والتي تُثمر الحوار الفعال الذي يجعل الأبناءلا يتلقون فحسب بل يصبحوا شركاء في الرأي والأساليب التربوية دون فرضها عليهم وبالتالي يحدث التقبل لما يريده الوالدان وهذا هو المطلوب.. فالجميع قادر على الطرح والنصح والأمر والنهي.. لكن القليل قادر على إيصال ما نريده لأنفسهم ليتقبلوه بصدر رحب ويشاركوا في القرارات والنتائج المترتبة عليها. كما أنه من خلال الحوار يتمكنون من البوح بما في أنفسهم وما يجدونه من عقبات قبل أن تتحول لمشكلات من باب المشورة بينهم وبين والديهم لقربهم منهم وبالتالي تُصبح وسيلة وقائية وتربوية وعلاجية للكثير من المشكلات التي تواجههم.
  • تقويم سلوكياتهم: إن تخطي العقبات التربوية بالأساليب التقويمية العلمية الصحيحة هو أداة مهمة بيد المربي؛ ليكون اتجاهه التربوي في مساره السليم. لأن الأساليب الغير تربوية كالضرب والتعنيف والصراخ وغيرهم تُعتبر مشكلات في حد ذاتها؛ لأنها تُنتج مشكلات أكبر من المشكلة المستهدفة بالتقويم ويكفي أنها تُحدث الأثر النفسي السلبي في تكوين شخصياتهم؛ لتمتد معهم لسنوات طويلة.. أو على مدى حياتهم بعد أن تكون قد أفسدت العلاقة بينهم وبين الوالدين. لذلك على المُربي أن يهتم كثيراً بتثقيف نفسه بالأساليب التقويمية العلمية السليمة التي تتناسب مع عمر الأبناء وطبيعة شخصياتهم ونوع المشكلات المُراد تعديلها؛ لتكون في يده أداة بناء لا هدم لشخصيات الأبناء. لأن أساليب التقويم الفعالة تستهدف السلوك لا ذات الابن وبالتالي يبقى الأبناء في رحاب المحبة الوالدية مهما سلكوالكن سلوكياتهم هي ما يتم تفحصها ومتابعتها وتقييمها بشكل مستمر؛ لتقويم ما انحرف منها لذلك فهي لا تُخل بالعلاقة بينهما.
  • تنمية قدراتهم ومواهبهم: تأتي هذه المرحلة كمرحلة متقدمة بعد فهم شخصيات الأبناء وتفهم احتياجاتهم ومشكلاتهم بالمصاحبة والحوار عندها سيتمكن المُربي من معرفة قدرات الأبناء ومواهبهمالمختلفة ونقاط الضعف والقوة لديهم. وعندها يعمل على تنمية وتعزيز هذه المواهب والقدرات. ولا يمكن عمل ذلك دون تقرب منهم وبناء علاقة تربوية ناجحة معهم وثقة متبادلة للوصول للاستقرار النفسي لديهم. وبالتالي تبدأ الإبداعات بالظهور.. وعلى المُربي استثمار هذه الإبداعات.
  • وبالرغم من تحديد أهم المعايير التربوية إلا أن التربية المثالية تظل مسألة نسبية واجتهادية تختلف من بيئة أسرية لأخرى حسب الإمكانيات المتاحة ومستوى التعليم للوالدين وشخصياتهم وكذلك شخصيات الأبناء.. فمن عجز عن جمعها كلها بين يديه فلا يفوته ما يقدر عليه.. وكل ذلك بعد الاستعانة بالله فالتربية ماهي إلا أسباب علينا القيام بها مع الدعاء والتوكل على الله لييسر لنا الله ما نصبو إليه.

     

    روابط ذات صلة


    المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



    تعليقات
    فضلا شاركنا بتعليقك:
    • كود التحقيق *:
      لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

    هناك بيانات مطلوبة ...