تركيا تتمسك بالحرية!

رأى لها
13 - شوال - 1437 هـ| 18 - يوليو - 2016


تركيا تتمسك بالحرية!

قدم الشعب التركي درسا سريعا خاطفا كالبرق في الوعي والحرية؛ فلم يتردد الأتراك في رفض الانقلاب على الشرعية والتمسك بحريتهم والدفاع عن اختيارهم، ولم تخدعهم طنطنة العلمانيين أن الإسلاميين اختطفوا تركيا، وأنهم يقودونها إلى كهوف الظلام، رغم أن تقارير الإنجاز والتفوق الاقتصادي تقول غير ذلك.

 

ولم يسقط الأتراك تحت تأثير ماكينات الإعلام، ولم تُسكرهم بيانات الانقلابيين الذين تذرعوا بالديمقراطية المزعومة، وكانت مكبرات الصوت في المساجد التي تبث الأذان وترتل آيات القرآن الكريم، أوسع انتشارا وأقوى تأثيرا من البيانات المنمقة التي لم تنطلِ على بدو العجم كما وصفهم أديب العربية الأشهر الجاحظ، بقوله: هم بدو العجم ولهم من الجلادة في القتال والحرب كما للصينيين في الصناعة.

 

وأيا كانت دوافع الانقلابيين في تركيا، وأيا كانت ارتباطاتهم بدول كبرى، فالذي يعنينا هنا هو يقظة العقل الجمعي للشعب التركي، الذي لم تذهله مفاجأة نزول المدرعات للشوارع، ولم يفقد صوابه حين توالت بيانات قصيرة تعده بالتحرير واستردادا كرامته والحنو عليه، والشعور بآلامه ومعاناته كعادة البيانات المشابهة في بعض الدول.

 

حتى العلمانيين والليبراليين في تركيا لم يكونوا كالعلمانيين والليبراليين في كثير من بلدن الوطن العربي؛ فلم يكونوا عالة على شعبهم، وقد رفع الجميع العلم التركي، دفاعا عن وطن وصف الرئيس التركي رجاله بأنهم "جيش محمد".

 

أثناء سويعات الانقلاب القليلة كانت مواقع التواصل الاجتماعي العربية تهدر بالتبشير بعودة الحرية الأتاتوركية، وقال بعضهم: كمال أتاتورك كان عسكريا، لكنه كان متطورا، وأراد أن يخلص بلاده من الخلافة الإسلامية، لذلك أسس دولة علمانية وفصل الدين عن الدولة، ونصب الجيش حاميا للقيم العلمانية، فأتي أردوغان وغير المعادلة وأحدث انقلابا، لذلك ما يجري الآن هو عودة تركيا لنفسها بعد تحريرها من الظلاميين!

 

هذه السويعات الثقيلة التي عاشها العالم كما عاشها الشعب التركي يحبس أنفاسه ويراقب في حذر، أثمرت فوائد للشعب التركي، ولغيره من الشعوب التي عاشت تفاصيل الانقلاب لحظة بلحظة؛ فتركيا بعد ليلة الجمعة 15 يوليو ستكون أكثر اتساقا مع نفسها، وسيظهر وجهها الحقيقي، وستجهر باعتزازها بالإسلام قيما وحضارة أكثر من ذي قبل، فالضربة التي لا تقصم الظهر تقويه، ومن المتوقع أن تمنح هذه الضربة الانقلابية الهشة تركيا مزيدا من القوة والجهر بقيمها، ولا أدل على ذلك مما قال أردوغان لشعبه بملء فيه "أنتم جيش محمد".

 

ومن الفوائد التي استفادتها شعوب الوطن الإسلامي، أنه لا بديل من التمسك بالهوية الإسلامية، والدفاع عن الأوطان التي تتربص بها كيانات كبيرة، قادرة على إحداث الفوضى عبر وكلائها ووسطائها، ممن يملكون وسائل إعلامية وساعة الانتشار وذات بريق خادع!

 

كان وعي الشعب التركي من أهم أسرار سقوط الانقلاب وانتصار الشرعية، ويكفي أن تعرف أن ميزانية التعليم في تركيا أكبر من ميزانية التسليح، وهو ما يعني أن تسليح الشعب بالعلم والوعي هو القوة الحقيقية في مواجهة أخطار المتربصين. حفظ الله كل بلاد الإسلام من كيد الكائدين.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...