تسونامي الحياة الزوجية

عالم الأسرة » هي وهو
03 - شعبان - 1438 هـ| 29 - ابريل - 2017


تسونامي الحياة الزوجية

لم يقتصر تسونامي على كونه إعصاراً مدمراً، ضرب بعض السواحل القريبة من البحر فحسب، بل تعداها؛ ليمتد تسونامي للحياة الزوجية؛ ليضرب السواحل المنزلية، ويزلزل العمق الأسري والاستقرار الزوجي. ولذلك فهو أشد خطورة من نظيره السابق؛ كونه يتسلل بهدوء في الحياة الزوجية، ويمتد شيئاً فشيء؛ فيبدو كأنه خلاف زوجي عادي. ودون سابق إنذار يزلزل الأسرة، ويبتلع استقرارها. كما أنه يظهر بوجه حسن، تحت دافع الحرص على الحياة الزوجية. حتى يتمكن. ومن ثم يجفف منابع المودة والرحمة بين الزوجين.

 

وعلى الرغم من أن الحياة الزوجية بشكل عام، يُمكن أن تتعرض له بشكل أو بآخر. إلا أن وجوده أشد ضراوة في السنوات الأولى للزواج، عندما لا يكون هناك وعي أو خبرة كافية بالحياة الزوجية ومشكلاتها. وبالتالي يكون وجوده أكثر إتلافاً للعلاقة الزوجية التي مازالت في طور البناء. ويظهر هذا الإعصار بأوجه كثيرة، ومن أهم المشكلات التي يبدأ بها ذلك الإعصار:

  • الغيرة والشك بين الزوجين

    على الرغم من أن الغيرة انفعال طبيعي بين الزوجين؛ لما لها من دلالات المحبة. غير أن تحول الغيرة الإيجابية لغيرة مرضية، يرافقها الشك، ويتبعها سلوك البحث، والتقصي عن الزوج المراقَب، تُعتبر من أهم المشكلات التي تعاني منها البيوت في الوقت الحاضر. حيث تبدأ المراقبة لهاتفه وتحركاته. بل وكلماته بإسقاطها في مواضع الاتهام. أو من خلال التسمع عليه، بأحد وسائل التقنية؛ في محاولة لجمع الأدلة المؤيدة للشك. وتظهر إثر قصص الخيانة المنتشرة، أو بتحريض أطراف خارجية تزرع بذور الشك، خاصة في نفس الزوجة تجاه زوجها، فتبدأ رحلة التقصي للبحث عن الدليل.

     وتبدو هذه المشكلة في بدايتها، وكأنها غيرة طبيعية، يُغلفها الحب الزوجي، وكأنه الدافع والمحرك نحو سلوكيات التعقب، إلى أن تصل لدرجات من الشك والاتهام، لا يمكن التغاضي عنه. فتوغل صدر الزوج المراقَب، وتجعله في موضع الدفاع عن النفس، تجاه زوج يتهمه دون دليل؛ بدافع الغيرة والمحبة، غير أن هذه المحبة الاستحواذية قد تُصبح هي السبب في تدمير بيت الزوجية. نتيجةً لقتل الثقة بينهما.

  • التحدي والعناد

     من الطبيعي أن كلا الزوجين مختلفان في البيئة والشخصية؛ لذا فلكل منهما عاداته وأسلوبه في تناول الموضوعات المختلفة. وأسلوبه في الحياة ككل. غير أن جانباً من ذلك لا ُيدركه خاصة الأزواج الجدد؛ مما يجعلهم لا يتفهمون ذلك الاختلاف، وينظرون إليه على أنه فرض للرأي، أو تسلط من الجانب الآخر؛ ولأن الخلفية التربوية لكليهما تُحذرهما من أن يكون زوجاً ضعيفاً في ثقته بنفسه، ومهزوزاً أمام الآخرين في شخصيته. فإنه يجد من العناد الأسلوب الأفضل لمقاومة من يختلف عنه. ومن هنا تبدأ الرواية التي يرويها كل منهما تبريراً لعناده؛ للحفاظ على جوهر شخصيته من الذوبان في حياته الجديدة. ويتجذر العناد، حتى يظهر في صورة تحدي للزوج الآخر. إلى أن يصلا إلى طريق مسدود متصلب، يكون كل منهما متمسكاً بما لديه، ويرفض النزول أو التنازل من برجه العاجي. ويجادل الآخر حول ما يتمسك به من معتقدات وآراء، دون أي مرونة؛ حتى لا يكون تابعاً لغيره من وجهة نظره، ومستقلاً برأيه. وعندها بالفعل يكون كل منهما قد تنحى جانباً؛ للحفاظ على هويته الشخصية، وينتظر مرونة الآخر. ويبقى الانتظار حتى الساعة الحاسمة.

  • المقارنة بما يمتلكه الأزواج الآخرون

     ومنها يبدأ فتيل الشرر، حين يبدأ أحد الزوجين بمقارنة شريكه الزوجي بآخر، قد سمع عنه، أو قريب استحسن بعض سلوكياته وصفاته؛ مع التغاضي عما لدى أزواجهم من جوانب مشرقة. أو المقارنة بما يملك فلان الآخر من ماديات، مُتجاهلين ما بين أيديهم من نعم، وما حُرم منه الكثيرون ومنحهم الله إياه. ليبدأ مسلسل الحسرات والتشكي، يعيشون ولا نعيش، ويملكون ولا نملك، ويفعلون ولا تفعل.

والأسوأ من ذلك: حين يبدأ أحد الزوجين بمدح أو التغني بسلوكيات زوج صديقه، أو قريبه، رغبة في أن يكون قدوة لزوجه في سلوكه وحياته، واعتقاداً منه أن هذه المقارنة، ستعمل على تحفيزه ليتقدم ويماثله. ولا يعلم أنها تأتي بجوانب عكسية تماماً؛ فتحبط الزوج مما تتسبب في الإحجام عن سلوكه الإيجابي نحو شريكه الآخر؛ لأنه لم يجد منه التقدير المناسب. فيبدأ بإهمال واجباته تجاه بيته وزوجه، إن لم يكن مُقصراً من قبل. ويزداد تقصيره إن كان مقصراً بالفعل. فهي باب للتشبث بالسلوك لا بتغييره. وكثيراً ما تسوء الأمور بينهما، إن استمرا على هذا الحال. لغفلتهما أن لكل أسرة هوية زوجية وأسرية، تختلف عن غيرها؛ لذلك لا يصح مقارنتها بأخرى. كما أنه في المقارنة انتقاص من الزوج، وإعلامه بعدم القبول له، وتحريك لمكامن الشك بداخله تجاه المقارن به، مع إسقاط الكثير من الانفعالات السلبية عليه؛ لتصل العلاقة بينهما لدرجة من التوتر والطلاق العاطفي.

نشر ما يدور في بيت الزوجية للخارج

  • تحت شعار الفضفضة، تتناثر قصص وأحداث ما يدور في بيت الزوجية لبعض الأقارب والأصدقاء. وكثيراً ما يتم نشر المشكلات المختلفة بتفاصيلها، والتشكي من سلوكيات الزوج. دون إدراك أن التساهل في نشر ما يدور في بيت الزوجية، سواء من أحداث سلبية أو إيجابية له جوانب غير محمودة الأثر على العلاقة الزوجية. فنشر الأحداث الإيجابية قد تُثير حسد الحاسدين. وتولد المقارنة في بيوت الآخرين. ونشر الأحداث السلبية تـُمكن الآخرين من رؤية البيت بشفافية، وتفضح ما فيه من أسرار. مما يُحرض على التدخل في المشكلات، بل والتذكير بها حتى بعد القضاء عليها. كأن يسأل أقارب أحد الزوجين: ماذا حدث بينكما من تبعات المشكلة السابقة؟ فهذا يُذكر الزوجين بما حدث من خلاف، ويُثير الانفعالات السلبية من جديد. حتى لو كان الهدف من السؤال من باب النية الحسنة في الاطمئنان بصلاح الحال بعد المشكلة. وإن كان للبعض هدف آخر، في إشعال فتيلها من جديد حسداً منهم. مما يولد الضغينة في صدر الزوجين؛ لضياع الخصوصية الزوجية؛ ونشر صورة مهزوزة عن أحد الزوجين في المحيط الاجتماعي.
  • السماح لأطراف خارجية بالتدخل في الشؤون الزوجية

     من باب الاستعانة بمن له خبره، يتولد الدافع لدى أحد الزوجين أو كلاهما، بمشاركة أحد الأصدقاء أو الأهل مما يعاني منه من مشكلات مع زوجه، عله يجد حلاً شافياً يقضي به على المشكلة، ويعيد لحياته الهدوء. لكن على العكس من ذلك: تتسع نطاق المشكلة، وتكثر الآراء، ووجهات النظر حولها، وكل يعطي حلاً من وجهة نظره، فضلاً على أن المشكلة أصلاً شُرحت من وجهة نظر أحد الزوجين منفرداً؛ مما يضفي عليها الجوانب الشخصية لا الموضوعية. ومع التعاطف مع الزوج الشاكي، تبدأ الحلول وتختلف الآراء. ويستقبل الزوج الآخر أيضاً حلولاً مختلفة من جهات مختلفة، ويبدأ كلا الزوجين بتطبيق حلولاً لا تتناسب مع حياتهما، فيصبحا كمن يلبس جلباب أبيه، دون مراعاة للحجم أو الطول أو الشكل.

وتبدأ حياتهما تُدار بأيد خارجية، وهما أداة للتنفيذ دون التفكير.

ولو توقفا للحظة تفكير، لوجدا أن الحل بيديهما، وأن المشكلة بالتدخلات الأخرى ما ازدادت إلا تعقيداً. وما زادا إلا ضعفاً في التواصل بينهما، وأضعفا قدرتهما على الاستقلال واتخاذ القرارات؛ مما يولد مشكلات جديدة من هفوات صغيرة؛ لضعف قدرتهما على التحاور، وحل المشكلات والقضاء على مسبباتها بنفسيهما. وتجاهلا أن البيوت المستقرة تقاوم أي تدخلات خارجية، ولا تُمكن أحداً من معرفة ما فيها من أمور ومشكلات فضلاً عن التدخل فيها.

 

      لم تكن تلك فقط المشكلات التي تدوي البيوت. بل كانت بعض من أهم صور المحرضات على التسونامي الحياة الزوجية، والتي تُعد أكثرها فتكاً وتدميراً، رغم ما تبدأ به من نية طيبة. غير أنها قنبلة موقوتة؛ لتثبت أن الدافع الطيب لا يكفي، إن لم يتبعه سلوك طيب بأسلوب مناسب.

 

     وتبقى المسؤولية لكلا الزوجين، تجاه الحفاظ على حياتهما، ومنع تراكم المشكلات، فضلاً عن منع الأسباب التي تفضي للمشكلات بالحوار، مع التغاضي عن الهفوات من الطرف الآخر، والتفاهم على دستور زوجي، يتناسب مع كلا الزوجين، يُكن فيه الإطار العام لحل المشكلات بينهما، وكيف يتصرف كلاهما أثناء المشكلات المختلفة، بحسب ما يتناسب مع شخصية الزوج والزوجة. فهو الإطار العام الذي يؤطر بيت الزوجية، ويحميه من الأخطار التي تهدده. ويساهم في القضاء على المشكلات الزوجية في مهدها؛ حتى لا يصلا لطريق مسدود بينهما، خاصة مع نقص الخبرة في السنوات الأولى للزواج.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...