تعليـم خـاص!

أدب وفن » دوحة السرد
28 - محرم - 1440 هـ| 09 - اكتوبر - 2018


1

يُعلّمنا اليتم (أيًّا كان نوعه) ونحن صغار آلا ننظر إلى الحلوى في أيدي الأقران، ولا إلى ملابس العيد؛ أو الاحتفالات. لسنا كالآخرين. قاعدةٌ نتعلّمها مع كلّ التّفاصيل. وحينما ننظر إلى فرح الصّغار: نشعر أنّه علينا أن نغضّ أبصارنا انكسارًا، وأن نُجمّد الدّموع في المآقي؛ على الأقل إلى حين ننفرد بها في الأمكنة السرّية المحجوزة للأحزان الانفرادية. لسنا كالآخرين!. نضطر أن نتعلم الدفاع عن أنفسنا ضدّ أيدي الأقران، أن ننهض بعد كل عراك ننهزم فيه، لنمسح التراب الّذي تمرغنا فيه إجبارًا، ونكتم دموعنا حتى لا تضحك علينا أمهات الأقران المشاهدات عبر النوافذ والأبواب. نحتفظ بها لأزمنة لاحقة لا تخطئ مواعيدها أبدًا. لسنا كالآخرين!. نتعلّم كيف نتحايل على ظلم الأساتذة؛ ضد آباء الخصوم، وأحيانًا كثيرة أمهاتهم. فليس لنا من يدافع عنّا. ولا من يقتصّ لنا.

 

ما تزال تلك الذّكرى عالقةً بذاكرتي؛ تجتثّ الدمع قهرًا من عيوني. ما تزال وجعًا موغلاً في قلبي. مرّت سنواتٌ عديدة؛ ولكنّي ما نسيت، ولا أظنني يومًا سأنسىǃ.

 كنّا في الصف السّادس ابتدائي، وكنّا في حصّة الرياضيات، لم يكن بيني وبين هذه المادة ودّ؛ ولا زميلتي. لم نكن نحب المعلم ولا مادته؛ فانشغلنا عنه بالكتابة على اللّوحات بالطباشير؛ اكتشفنا لعبة جديدة نتسلى بها، إلى حين تنقضي الحصة العقابية لذاك المعلم الّذي لم أنسه يومًا. كنّا نتسابق أنا وزميلتي في وضع نقطة بالطبشور وسط مربعات اللوحة. ومن تنتهي أوّلاً تكون هي الفائزةǃ. اكتشف المعلم لعبتنا بعد أن علت أصوات الطباشير على حين غفلة منّا؛  فاستدعانا إلى مكتبه. ضربنا بالعصا؛ ثمّ ـ يا قهر ما جاء بعد ثمّǃ ـ ولأنّ زميلتي كان عندها أب يعمل في مدرسة قريبة: أمرها المعلّم أن تعود إلى مكانها، ولأن أبي غير موجود أمرني بالخروج، وعدم العودة إلى المدرسة إلا مع أبيǃǃ

 

خرجت من القسم وأنا أبكي؛ وصلت إلى ساحة المدرسة. كانت فارغة كصحراءٍ حارقة، وكنت وحدي أبكي بحرقة. من أين سأحضر له أبي وأنا لم أره أصلاً منذ سنوات!؟. بكيت قهرًا؛ لم أعلم ماذا أفعل؟. شعرت بالإهانة، بالألم الحارق. لا ينسى الصّغار أبدًا أوجاعهم، ولا من كان سببًا فيها. قد تبدو لمن يسمعها تافهة ولا تستحق؛ لكنها للّذي ذاقها: هي عين الوجع، ولو مضى عليها الزمنǃ. وتظلّ ترافقه؛ يحملها بين ثنايا قلبه حيثما ارتحل؛ تعبث بجرحه القديم كلّما هدأ. ترفض أن تسلمه لأيّ سكينة!.

 

كانت لحظاتٍ لا تُنسى. يداي أيضا كانتا تؤلماني بسبب الضرب، ولا تزال. وكيف لي أن أنسى؟ǃ. كان أمرًا شاقًّا أن أحمل المحفظة ويداي تؤلماني. كنت أجاهد لأحرك قدميَّ نحو البوابة الخارجية، والدموع لم تتوقف عن التّدفّق. لم أعلم كيف أتصرّف؟. رآني معلم آخر على تلك الحال، وكان قد درّسني من قبل، وما أزال أحبه إلى اليوم، رغم أني لا أذكر ملامحه؛ كان دوما طيّبًا معنا. وظلّ كذلك بعد عمرٍ مديدٍ من التّعليم الرحيم، كما بلغني.

 

جاء إليّ، وانحنى نحوي، وسألني عن حالتي تلك؛ فحكيت له وأنا أشهق، وأنطق بالكلمات في تقطّع ما حدث بالتفصيل مع المعلم الآخر... استقام في وقفته. لم أسمع جيّدًا ما تمتم به؛ لكنه قال لي: "بل اذهبي إلى المديرة، وستُريه كيف يخرجك هكذاǃ".. خفض رأسه إليّ، ثم أشار إلى الطريق نحو منزل المديرة؛ ثمّ أضاف: "ستجدين درجًا؛ أكمليه إلى نهايته، وهناك ستجدين منزل المديرة، أخبريها بما حدث بالضبط".

 

 

 

ذهبت إلى منزل المديرة، وأنا أرتجف وأبكي، حينما وصلت إلى بابها طرقته بتردّد، ولما فتحت لي سارعت بالقول: إن "المعلّم الجيلالي" هو من قال لي أن أذهب إليهاǃ. كان ظاهرًا من هيئتها أنها كانت في المطبخ؛ فلما سألتني عن حاجتي حكيت لها ما حدث بالتفصيلǃ

 

كم أعشق التفاصيلǃ. لها القدرة في أن تجعلك تعيش الحدث، وتظهر صدقك، وتستفز مشاعرك. حينما تكون هناك مشاعرٌ طبعًاǃǃ.

 

نزعت عنها ثياب المطبخ؛ وأمسكت بيدي؛ لم أستطع أن أمانع رغم أن مسكتها كانت تؤلمني بسبب الضرب الّذي كان. يبدو أنها كانت غاضبةǃ. صحبتني إلى القسم الذي أخرجت منه إجبارًا، ونادت المعلم بصوت مرتفع. لم  يكن طولي يسمح لي برؤية ملامح وجهها وهي تصرخ في وجه المعلم، الذي طأطأ رأسه إلى الأرض. لست أدري ماذا قالت له؟ بعد أن أدخلتني إلى القسم دون أن يبدي أيّ اعتراض. لكني أعتقد أنّها قد غسلته جيّدًا؛ فلم يضربني بعد ذاك اليوم أبدًا، ولم يصرخ في وجهي. لكن علاماتي عنده تراجعت كثيرًا رغم اجتهادي في الدراسة!. يبدو أنه كان يتلاعب بهاǃǃ ثم ماذا؟. نجحت رغم أنفهǃ

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...