تفاعل القيم الإنسانية في الأدب (2من2) لها أون لاين - موقع المرأة العربية

تفاعل القيم الإنسانية في الأدب (2من2)

أدب وفن » آراء وقراءات
15 - صفر - 1440 هـ| 26 - اكتوبر - 2018


1

قد خاض عديد من النقاد العرب في مفهوم الصدق بعد عمر بن الخطاب وحسان بن ثابت ـ رضي الله عنهما ـ أمثال الجاحظ وابن طباطبا وغيره. يقول الجاحظ: "وأنفع المدائح للمادح، وأجداها على الممدوح، وأبقاها أثرًا، وأحسنها ذكرًا؛ أن يكون المديح صدقًا، ولحال الممدوح موافقًا، وبه لائقًا". فمن خلال هذه القولة، تتجلى لنا بوضوح الدعوة إلى الالتزام بالصدق في الشعر عنده.   ووقف إحسان عباس في كتابه "تاريخ النقد الأدبي عند العرب" على معنى "الصدق" في نقد ابن طباطبا في كتابه "عيار الشعر"، فرأى أن لدى ابن طباطبا استعمالات مختلفة له:

 

1- الصدق الفني: أو إخلاص الفنان في التعبير عن تجربته الذاتية. يقول ابن طباطبا: "فإذا وافقت هذه الحالات، تضاعف حسن موقعها عند المستمع، لا سيما إذا أيدت بما يجلب القلوب من الصدق عن ذات النفس بكشف المعاني المختلجة فيها، والتصريح بما كان يكتم منها، والاعتراف بالحق في جميعها استفزازًا لما كان يسمعه".

2- صدق التجربة الإنسانية -وهذه تتمثل في قبول الفهم للحكمة- يعلل ابن طباطبا ذلك "لصدق القول فيها، وما أتت به التجارب منها".

القيم الإنسانية في الإسلام لا تتغير ولا تتطور، تبعًا للظروف الاجتماعية أو السياسية والأحوال الاقتصادية، بل هي حدود ثابتة متينة ضد الفوضى والظلم والشر والفساد؛ لذلك فالإنسان المؤمن يسعى دائمًا إلى الثبات على القيم مهما تغيرت به الأحوال، ولا يحق له التغيير سوى فيما يساعده على ذاك الثبات، وما يحقق طبيعة استخلافه في الأرض.

3- الصدق التاريخي: وذلك "يتمثل عند اقتصاص خبر أو حكاية أو كلام".

4- الصدق الأخلاقي: فالقدماء كانوا يؤسسون أشعارهم في المعاني التي ركبوها على القصد للصدق فيها مدحًا وهجاءً... إلا ما قد احتمل الكذب فيه حكم الشعر من الإغراق في الوصف والإفراط في التشبيه. فكان مجرى ما يوردونه مجرى القصص الحق والمخاطبات بالصدق.

5- الصدق التصويري: ويسميه ابن طباطبا "صدق التشبيه" فعلى الشاعر "أن يعتمد الصدق الحق والوفق في تشبيهات".

وفي العصر الحديث نجد من المهتمين بمفهوم الصدق في الأدب، الناقد "محمد النويهي" الذي وضع كتابًا خاصًّا يعالج موضوع "الصدق في الأدب"، ويبيّن لنا من خلاله صعوبةَ التحديد مطلقًا، رغم أنه قدم لنا فيه بعضًا من شروطه:

أ- "أن تكون عاطفة الأديب التي يدّعيها قد ألمت به حقًّا، وأن تكون عقيدته التي يتبناها هي عقيدته الحقيقية في الموضوع الذي يتناولـه.

ب- أن تكون حدة تصويره ناشئة عن حدة شعوره وقوة حساسيته لا عن رغبة المبالغة والتهويل.

ج- ألا يخالف تصويره النواميس البدائية للكون كما نعرفه، ولا حقيقة السلوك -السلوك الإنساني- فيما نخبره من البشر في تجاربهم ومواقفهم، هذا فيما عدا الموضوعات الخرافية والأسطورية.

 

د- أن يكون من شأن صنعته أن تزيد عاطفته جلاء وقربًا لا أن تقف أمامها حجابًا يشغلنا تأمله من النظر فيها"(1).

 

وهذه الاستعمالات المختلفة للصدق، تجتمع حول معنى تحري الحق. من هنا فالصدق في الأدب يتحقق إذا انطلق من عاطفة المبدع وانفعاله، وصدر عن رؤية متعمقة للواقع والأشياء تتجاوز الأحداث لاستبصار أبعادها الجوهرية.

 

وقد تجزأت هذه الرؤية الأخلاقية التي تتكامل فيها دلالات الصدق، في أغلب ما أنتجه الأدب العربي الحديث ونقده، وأصبح الأدب كي يكون صادقًا وناجحًا، لابد أن يكون أدبًا مكشوفًا، وأصبح الاتجاه الطاغي حاليًّا إبراز بعض القضايا بأساليب كاشفة منحطة، إلا من رحم الله.

 

وانتقادنا لهذا الواقع السائد في الأدب يرجع إلى اعتبار: أن تبني الأديب للكلمة الطيبة الجميلة، والمساهمة في تهذيب الذوق العام وتربيته، وأن الوعي بحاجة المتلقي العربي لأدب يقدم الواقع ولا يهرب منه، وتقديمه برؤى إنسانية وجمالية تخرج به من شرنقة التغريب والانحطاط، ضرورة إنسانية وحضارية. وهذا لا يعني أن علينا مصادرة حرية الأديب، بل تعني أن ينضبط بمسؤولية تهذيبها وتسديد طريقها، كي تسلك مسلكًا إنسانيًّا رفيعًا، فلا تُسقط هذه الحرية الأديب نفسه في نظر مجتمعه، ولا تُلحق الضرر بغيره إذا طاشت حريته، ولم ترشّد. فالتزام الأديب بقيم الإسلام ومقاصده يجعله في مستوى عالٍ من الحرية الإنسانية ذات الأدب الجمّ. والذي يقوده إلى ذلك هو طبعه الإسلامي وقلبه التّقي، وحسّه الإنساني المرهف؛ من هنا يصح لنا أن نقول؛ إن رسالة الأديب المسلم ربانية إنسانية، وليست حيوانية أو شهوانية. وإن الأديب بصفة عامة، ليس مجرد إنسان يملك مشاعر وأحاسيس، ويعاني من المشكلات والصعاب والآلام المنتشرة في المجتمع الإنساني، وإنما هو أيضًا - وقبل أي شيء آخر- يملك رسالة حضارية، تخول له البحث عن تجاوز للمعاناة، وعن حلول للمشكلات حتى وهو في أكثر لحظاته انفعالاً وتصويرًا وإبداعًا، كما أن الله تعالى حباه بشحنات مضاعفة من دقة الإحساس، وعمق الشعور بالمسؤولية عليه توظيفها في أدبه.

 

والأديب المسلم وإن لامس في الحياة تجارب هابطة وغير أخلاقية، فإنه يعبر عنها تعبيرًا حيًّا يدفع إلى النفور من ذلك الواقع. وهذا الأمر نجده -بشكل أو بآخر- في كل الحضارات الإنسانية، كما نجده عند بعض الأدباء أنفسهم، وإن كانوا غير منتسبين إلى الإسلام، يقول "بلزاك": "ليست مهمة الفن أن يقدم نسخة طبق الأصل عن الواقع، وإنما أن يعبّر بشكل فني عن هذا الواقع، أن يكشف عن لغزه وسره".

 

من القيم التي نجدها في أدب المسلم قيمة "الطيبة" المرتبطة بالمفهوم القرآني في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ﴾سورة إبراهيم25ـ 27. ولا يمكن استجلاء هذا المفهوم، إلا في علاقته بمفهوم الخشية من الكلمة الخبيثة كما ورد في قوله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ) رواه البخاري (6487).

 

ومعلوم أن الألف واللام في "الكلمة" للجنس فتشمل جميع أنواع الكلام من غير تخصيص، حتى التي تدخل في مجال الأدب والمجاز والاستعارة. ونظرة إلى الأدب التي ينتجه المسلم الملتزم بقيم دينه ومبادئه، يكشف أنه يعف قلمه عن كتابة كلمة "خبيثة" وإن تعرض لأي قضية من قضايا الذات أو المجتمع أو الأمة، فمهما سمت أو سفلت: فإنه يتعرض لها بأسلوب عفيف طيب. والنماذج كثيرة ومتعددة.

 

وتحري سمات الصدق والطيب عند الأديب المسلم يسلمه إلى تحري عناصر الهدف واليقين وانتفاء العبث عن كتاباته امتثالاً واستجابة لقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون:115). فهو يعرف قيمة الأدب ورساليته ودوره في الدعوة إلى الله وإصلاح النفس والمجتمع. ويعي أنه طريق مهم من طرق بناء الإنسان الصالح والمجتمع الصالح، وأداة من أدوات الدعوة إلى الله، والدفاع عن الشخصية المسلمة. فيسعى إلى تسخير بيانه لرسالته في إطار وعيه بقيمة الكلمة ومسؤوليتها، ودورها في التأثير وتشكيل وجدان الإنسان. خاصة وأنه يعيش في ظل عولمة تتنازعه فيها المفاهيم والأفكار والتصورات بكل سلبياتها.

 

ومن القيم التي يجب أن يتميز بها أدب المسلم: الإتقان. عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" (رواه أبو يعلى، وضعفه عدد العلماء وحسنه الألباني)، وهذه خاصية لا يجب التهاون فيها كي تقدم نصوصًا جمالية يمكن أن تؤثر، لأن أيّ نص يخلو من جمالية التعبير وإتقان الصيغ والأسلوب، لا يمكن أن يُعد أدبًا.

 

ومن خلال هذه السمات والعناصر، يتكامل البعد الجمالي مع البعد القيمي والأخلاقي. ذلك أن القيم في العمل الإبداعي عمومًا، لا ينتقص من جمالية النص الأدبي مهما كان جنسه؛ لأنها سلوك جمالي ينبع من فطرة الإنسان. وقديمًا لم يقبل "أفلاطون" الشعر إلا إذا كان مرتبطًا بوظيفته التربوية ومهمته الأخلاقية. ولذلك رتب أجناس الشعر بحسب دلالتها الأخلاقية المباشرة(2). وحينما يتحلى النص الأدبي بالقيم، فإن النص يشع بالجمال؛ لأن مركز الجمال في المفهوم الإسلامي يكمن في الخلق الحسن. ومن هنا يكون تغييب القيم الإنسانية عن الإبداع، تعبيرًا عن الانحراف الفكري والعقدي، وانعكاسًا لشكل من أشكال التخلف والرجعة والانحطاط إلى مستوى الحيوانية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإحالات (الهوامش):

(1) محاضرات في عنصر الصدق في الأدب، معهد الدراسات العربية العالية، القاهرة، 1959.

(2) انظر: النقد الأدبي الحديث، لمحمد غنيمي هلال، ص:33.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...