تنظيم النسل عند الفلسطينيين.. هل تغيرت المفاهيم؟! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

تنظيم النسل عند الفلسطينيين.. هل تغيرت المفاهيم؟!

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
05 - ربيع أول - 1428 هـ| 24 - مارس - 2007


1

الأسرة هي نواة المجتمع الأولى تتأثر بكل ما يدور فيه، وينعكس عليها مباشرة أي تغيير أو تعديل في الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي للمجتمع بأكمله سواء بالتخلف أو الحرمان أو تراكم في المشكلات الاجتماعية بفعل ما يعانيه المجتمع من أزمات استعمارية واقتصادية واجتماعية وثقافية أيضاً.

قديماً كان المجتمع الفلسطيني زراعيا قبليا تقليديا؛ الأمر الذي انعكس على نوعية النسيج الأسري والعلاقات الاجتماعية حيث زيادة عدد أفراد الأسرة من الأبناء ليكونوا عوناً في الحقل كما اقتصرت العلاقات الاجتماعية على القرابة وعلاقات الجوار الأمر الذي جعل المجتمع يعيش حالة من التلاحم والتعاضد، ناهيك عن ابتعادها عن التفاعلات الحديثة وحرمان أفرادها من التعليم واقتصاره فقط على الذكور في المرحلة الابتدائية والإعدادية وفقاً لظهور المدارس آنذاك وقربها من القرية إلى أن تطور التعليم وبنيت المدارس والكليات والجامعات الفلسطينية، وفي العقد السابع  عشر من القرن الماضي أوجدت منظمة التحرير الفلسطينية خطط إنمائية غيرت في جوهر الحياة الفلسطينية وتواصل التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي أيضاً مع بداية التسعينيات حيث أتيحت للأسرة عملية التفاعل في بناء المجتمع وتنميته وأصبح هناك تحولاً كبيراً في مفاهيم تنظيم النسل ليحظى جميع الأطفال داخل الأسرة بحقوقهم في التعليم والرعاية والاهتمام والعطف والحنان والتوعية.

"لها أون لاين" في التحقيق التالي تجول مع الفلسطينيين رجالاً ونساء وتقف على التحولات الجذرية في مفاهيم تنظيم النسل لدى الأسر الفلسطينية نقلها بألسنتهم وكلماتهم، نتعرف على أسبابهم في تنظيم نسل الأسرة، تابعوا معنا..

تؤثر عادات وتقاليد المجتمع على عملية تنظيم النسل أو عدمه، فالأمهات الفلسطينيات قديماً كانوا يحرصون على كثرة الإنجاب، وعلتهم في ذلك حاجتهم إليهم في أعمال الزراعة وليكونوا عزوة لهم يتباهون بهم أمام بعضهن البعض، إلا أن هذه المفاهيم تغيرت كثيراً فالأسرة اليوم تريد أبنائها مثقفين متعلمين ينالون قسطاً من حقوقهم في الرعاية والحب والاهتمام المادي والعاطفي.

حسان في أواخر العشرينيات من عمره يؤكد أن تنظيم الأسرة ضروياً جداً بحيث لا يعمد الزوجان إلى إنجاب الأطفال دفعةً واحدة في أعوام متعاقبة قد لا تتجاوز العام أحياناً، ورؤيته في ذلك ضرورة أن يشعر الطفل بحنان وعطف أمه فليس من المعقول أن يكون ما زال يحبو ويحتاج إلى رعاية خاصة واهتمام كبير بينما تكون منشغلة قلقلة على ما تحمله في أحشائها، ولفت حسان إلى تجربته الشخصية فقد تزوج منذ سبعة أعوام أثمرت طفلين هما له وزوجته الدنيا وما فيها البكر زين يستعد لدخول المدرسة بينما تستعد صغيرته نور للاحتفال بعامها الثاني في مايو المقبل، تقول زوجته :"إضافةً إلى أن ظروف العيش والعمل أجبرتني على هذا التنظيم إلا أني سعيدة به جداً أستطيع أن أجلب لهما ما يحتاجا وأمنحهم الحب والعطف والاهتمام "، وتتابع:" على الرغم من إلحاح أهل زوجي عليّ بإنجاب المزيد من الأطفال في سن مبكرة إلا أننا متفقين فما بيننا على تنظيم النسل، لافتة أن الظروف الاقتصادية التي يمرون بها كانت سبباً واضحاً في الاتفاق على التنظيم ".

وتستطرد:"الالتزامات اليوم أضحت كثيفة تبدأ مع الاحتياجات الضرورية ليشتد عوده ويقوى جسده من غذاء مفيد ورعاية فائقة في ظل وقت ضيق بسبب الخروج للعمل، وما يتبعها من الولوج به إلى الحضانة والمصاريف اللا متناهية خاصة إن لم يكن هناك من يراعاه من جدة أو غيره داخل المنزل ولا تنتهي عند هذا الحد بل تستمر في دخوله للمدرسة وإمكانيته في الاعتماد على ذاته في المأكل والملبس وتلبية احتياجاته الضرورية من النظافة الشخصية "، وعلقت :" لا أستطيع أن أنجب طفلاً كل عام وأتركه يعاني ويلات الحرمان من الحب والحنان والاهتمام ناهيك عن عدم القدرة على تلبية احتياجاته وأشقائه الكثر داخل المنزل لذلك ألجأ إلى تنظيم النسل لأضمن لأطفالي بإذن الله حياة يتمتعون فيها بأبسط حقوقهم ".

وفصاله في عامين

أماني متزوجة ولديها من الأطفال ثلاثة وتحمل في أحشائها رابع تؤكد لنا أنها تهتم بمسألة تنظيم النسل عملاً بقوله تعالى "وحمله وفصاله ثلاثون شهراً" أي ما يعادل العامين بحيث تعطي الأم وليدها الرعاية والاهتمام اللازمين ليقوى ويشتد عوده فلا تنشغل عنه بطفل آخر في أحشائها ما يؤثر على صحتها هي ذاتها بحيث أن تكرار الحمل والولادة المتعاقبة من شأنه أن يحدث أعراضاً جانبية على صحة الأم فتضحي لا تستطيع رعاية أياً من أطفالها لا ذلك الرضيع حديث الولادة أو شقيقه الذي ما زل يحتاج إلى اهتمام خاص .

وتتابع :"الحمد لله على الرغم من أن زوجي يحبذ الإنجاب كثيراً نظراً لأنه كان وحيداً لوالديه إلا أنني أستطيع إقناعه بضرورة تنظيم النسل لنضمن لأطفالنا حياة هادئة مستقرة اجتماعياً وعاطفياً ولا سيما مادياً ".

أما الزوج فعلى الرغم من اقتناعه قليلاً بأسباب زوجته إلا أنه يرفض أن تطول فترة الإنجاب على السنوات الثلاث اثنتين للفطام وتسعة أشهر مدة الحمل، يقول :" أحبذ الإنجاب لا أريد أن يعاني أطفالي مما عانيته فقد كنت وحيداً لأمي وأبي دون شقيق أو شقيقة، كنت أتمنى أن يشاركني شقيق في لهوي وفرحي وحزني لكن الله جعلني وحيداً "، وعلق :"الحمد لله سعدت بطفولتي وشبابي بفضل رعاية والدىّ واهتمامهم الخاص بي سواء في التعليم أو التثقيف أو الترفيه، ويتابع :"  كنت سأسعد أكثر بوجود شقيق يشاركني كل ذلك خاصة بعدما وارى الثرى والديّ رحمهما الله ".

لمقاومة الاحتلال

حين اتسم المجتمع الفلسطيني بأنه زراعي قبلي تقليدي كانت نسبة الإنجاب في الأسرة الفلسطينية عالية والأسباب واضحة كما أسلفنا للمساعدة الأهل ويكونوا عزوة لهم يتباهون بهم وبنسلهم في المستقبل، ولكن الحال في الحادي العشرين اختلف قليلاً فقط في الأسباب، فكم من الأسر الفلسطينية خاصة في ظل انتفاضة الأقصى عمدت إلى الإنجاب بكثرة وعلتهم في ذلك لستعيضوا بالجيل الجديد عن الشهداء الذين حصد الاحتلال خلال ممارساته واستهدافه المئات من أرواحهم أطفالاً ورجالاً ونساءً.

أبو مصطفي في الأربعين من عمره يؤكد أنه يكبر زوجته بثلاثة عشر سنة وله من الأطفال أربعة أكبرهم مصطفى في المرحلة الثانوية وأصغرهم في نهاية المرحلة الابتدائية، يقول الرجل :"كنت مؤمناً بتنظيم النسل عبر الوسائل المناسبة لنتمكن من توفير سبل العيش الكريم لهم وتأمين مستقبلهم، لكني بعد اندلاع انتفاضة الأقصى وسقوط المئات من الشهداء على مر أيام فقط عدلت عن فكرة الاكتفاء بالأبناء الأربعة خاصة بعد أن توارى الأوسط شهيداً، فخلال السنوات الخمس الماضية أنجبت ثلاث أطفال الحمد لله كانوا جميعاً ذكوراً عوضوني عن أحمد لكني أهبهم جميعاً للدفاع عن الوطن وحريته فهم من سيحملون اللواء لتحرير بقية الأرض وتراب القدس الحبيب "، وأضاف:"لا يعني ذلك أني سأهمل في تعليمهم وسأتقاعس عن العمل من أجلهم سأربيهم على الحق وسأحصنهم بالعلم والثقافة ليشبوا رجالاً ينتزعوا حقوقهم ".

الأوضاع الاقتصادية

المجتمع بما يضج به من عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسياً يؤثر تأثيراً مباشراً على الأسرة الفلسطينية، وقد أفضت حالة الفقر والبطالة التي عاني منها المجتمع الفلسطيني مؤخراً إلى إقبال النساء الفلسطينيات على تنظيم النسل لعدم استطاعت أزواجهم بتوفير متطلبات العيش البسيطة لأطفالهم.

تقول إسلام متزوجة لديها من الأطفال ثلاثة -أنثى واحدة وتوأمين ذكور- :" كنت أفكر بإنجاب طفل آخر خاصة أن التوأمين بلغا من العمر خمسة أعوام لكني سرعان ما عزفت عن الموضوع مستخدمة وسيلة مناسبة لتنظيم النسل "، أسألها عن السبب فتؤكد أن زوجها كان يعمل داخل الخط الأخضر وبعد الإغلاق والحصار أضحى عاطلاً عن العمل لسنوات عدة وما لبث أن عمل سائقاً على سيارة أجرة لكنها لا تسد رمق أطفالي واحتياجاتهم البسيطة، وتابعت :"لا أستطيع وأنا أرى أطفالي يحرمون من أدنى حقوقهم أن أنجب آخر دون أن أوفر له أساسيات الحياة، فعملية الإنجاب مكلفة مادياً ومعنوياً وتكلفتها المعنوية أقسى وأشد وطأة بالنسبة لي".

ويشاركها الرأي إبراهيم قائلاً :"عمدت إلى زوجتي بالذهاب إلى مراكز تنظيم الأسرة لا خيار الوسيلة المناسبة لتنظيم النسل"، وتابع:"لا يمكنني أن أنجب أطفالاً كثر لا أستطيع أن أوفر لهم أساسيات الحياة الضرورية في ظل الضائقة المالية التي أمر بها والديون التي أثقلت كاهلي للقريب والبعيد ".

تغير المفاهيم

قديماً لم يعي الفلسطينيين مسألة تنظيم النسل بل كانوا يرون في إنجاب الأطفال عزوة للعائلة، ولكن الظرف الاجتماعية والاقتصادية وزيادة الوعي بمفاهيم تنظيم النسل بدأ الكثيرون يفكرون ملياً في إنجاب الأطفال وفقاً لإمكانياتهم التي من شأنها إجابة متطلباتهم في مختلف مراحل حياتهم منذ الرضاعة حتى بلوغ سن الرشد والاعتماد على الذات في مختلف تفاصيل الحياة سواء بالعمل أو تكوين أسرة جديدة.

تقول د. فاتن حمام أخصائية تنظيم الأسرة في حديث خاص لـ"لها أون لاين"  أن برنامج تنظيم الأسرة في الوطن الفلسطيني ليس حديث العهد فقد أوجدته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين من العام 1962 واستفاد منه اللاجئين فقط لا غير، فيما كان يذهب المواطنون إلى الأطباء الأخصائيين الذين لا يتبعون لا لوزارة الصحة ولا لوكالة الغوث ما أثمر عدم وجود معلومات دقيقة حول أعداد الأفراد الذين يتلقون هذه الخدمة، وأضافت :" خلال العام 1994 بدأنا نعمل على مستوى العام للمرأة الفلسطينية بغض النظر عن كونها لاجئة أو مواطنة "، لافتة أن الخدمات التي يقدمها البرنامج كانت مجانية الهدف منها توعية المرأة بضرورة إيجاد فترة تباعد بين الحمل والآخر بموافقة الزوجين بحيث ننأى عن حدوث مشاكل اجتماعية ناجمة عن عدم انتباه الزوجة لمسئولياتها المنزلية ورعاية أطفالها الصغار وكذلك عدم اكتراثها بصحتها بالأساس فتنشأ معاناتها مع بعض الأمراض كالأنيميا ومشاكل في الجهاز التناسلي من تكرار عملية الحمل مباشرة، مؤكدة أن التباعد في الحمل لمدة عامين تلك الفترة التي نص عليها القرآن الكريم والدين الإسلامي في قوله تعالى" حمله وفصاله ثلاثون شهراً" عبارة عن عامين، من ناحية أخرى أوضحت د. الحمامي أن المرأة الفلسطينية زاد وعيها بأمر تنظيم الأسرة فأضحت تذهب إلى الطبيبة الأخصائية لتنتقي الوسيلة المناسبة لها لتنظيم عملية الحمل لديها، وذلك نتيجة لتناول هذا الموضوع في الجامعات والمؤسسات النسوية عبر محاضرات ندوات التوعية حول صحة المرأة بحيث لا يتعارض مع الدين الإسلامي.

 وبخصوص إقبال الفلسطينيين في الفترة الأخيرة على تنظيم النسل قالت د. فاتن الحمامي أصبح الإقبال كثيف فالمرأة الفلسطينية باتت تسأل عن الوسائل المناسبة لها تنظيم عملية الحمل لديها، خلافاً على ما كانت عليه في السابق حيث كانت وسيلة التنظيم تكون وفقاً لانطباعات آخرين من أقربائها أو جيرانها، وتضيف:"الآن نضع بفضل الوعي تضع جميع وسائل التنظيم أمامها ومن ثّم يتم الاختيار الأفضل طبياً والذي يتناسب معها، وتؤكد أن الإقبال بات مكثفاً من قبل الأمهات الجامعيات بحيث تعمد إلى تنظيم حملها وفقاً لظروف تعليمها حتى لا يؤثر إحداهما على الآخر، ولفتت إلى أن عملية التنظيم لا تباشر مع الحالات الجديدة التي لم يسبق لها الحمل أبداً لكنها تريد تأجيله قليلاً لأسباب قهرية لديها، مشيرة أنه قد يكون لديها بالأساس مشكلة طبية قد تتفاقم إذا ما تم إعطائها وسيلة تنظيم، وأكدت على ضرورة يكون لدى المرأة التي تريد تنظيم النسل طفل أو طفلين.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...