جدال السينما تبدأ بـ "كوميديا" فـ "دراما" فهل تنتهي بـ "تراجيديا"؟!

رأى لها
18 - ربيع الآخر - 1438 هـ| 16 - يناير - 2017


جدال السينما تبدأ بـ

لم يكن الترفيه وأدواته ووسائله ومضمونه المنضبطة بضوابط الشرع، المتوافقة مع قيم وهوية المجتمع، يوما موضع جدال أو خلاف؛ لأن هدفه الترويح، والإمتاع، وقضاء أوقات طيبة في الإجازات، وأوقات الفراغ.

والنماذج على ذلك كثيرة ومتعددة، عامة وخاصة.

المشكلة تبدو في فئة تحاول فرض نوعية معينة من "الترفيه" المحرم، ومباغتة الناس بالإعلان عنها، ووضع جداول لتنفيذها، دون حوار أو نقاش أو استطلاع آراء المواطنين المعنيين بالأمر أو الخدمة التي تقدم لهم، بشكل قد يصادم ثقافة المجتمع وقناعاته.

وقد يصل الأمر إلى إتاحة منافذ لبث الإفساد المنظم تحت لافتة الترفيه، دون اعتبار لرأي الهيئات الشرعية؛ المخولة نظاماً في البت في أي مشروع يقرر، أو نظاما قبل العمل به، والتوصل إلى الصيغة المقبولة شرعا ونظاما والمتوافقة مع ثوابت وركائز المجتمع.

ومن هنا تسبب حديث الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للترفيه عمرو المدني،  لقناة العربية الذي جاء فيه بأن عام 2017م  سيكون عاما للترفيه بامتياز، وأن التنسيق قائم مع إمارات المناطق والأمانات، وأن شراكات مع الجهات ذات الصلة، مثل وزارة الثقافة والإعلام وهيئة الرياضة؛ لتطوير برنامج متميز من الفعاليات، تشمل 13 منطقة حول السعودية في طريقها للتنفيذ".

وقوبل المدني: "إنه تم الترخيص لحفلات غنائية في الرياض وجدة، وأن هناك ورش عمل حول إنشاء صالات للسينما!" باستياء شعبي عام، لما فيه من محاولة فرض مفهوم معين للترفيه ينطوي على مخاطر كبيرة.

السينما  والحفلات الغنائية تعتبر من وسائل التغيير الثقافي القوية، والاحتفاء بها من رموز التغريب داخليا ومتابعة تنفيذها من جهات خارجية، يدل على أنها مبادرة في خارطة طريق تغيير هوية المجتمع في الجزيرة العربية وبلاد الحرمين الشريفين تحديدا.

سماحة مفتي عام المملكة، رئيس هيئة كبار العلماء، ورئيس اللجنة الدائمة للإفتاء، الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، الذي يمثل قمة الهرم في الهيئة الشرعية، كان واضحا وصريحا، في التحذير من الترخيص وإقامة الحفلات الغنائية والسينما في المملكة العربية السعودية لما تنطوي عليه من مفاسد للأخلاق والقيم.

فقد أكد سماحته على حرمة الترخيص للحفلات الغنائية وإنشاء دور سينما، "لما ينطويان عليه من مفسدة للأخلاق والقيم"، في تعقيبه على  إعلان "الهيئة العامة للترفيه"، بالترخيص لحفلات غنائية وموسيقية في الرياض وجدة، وأن هناك لجانا لدراسة إنشاء دور السينما.

مشيراً إلى أن "السينما قد تعرض أفلاما ماجنة وخليعة وفاسدة وإلحادية، فهي تعتمد على أفلام تستورد من خارج البلاد لتغير ثقافتنا".

المشكلة أننا اليوم أمام رأي عام واضح وصريح، بحرمة الحفلات الغنائية، وعدم جواز فتح صالات ودور عرض للسينما، في المملكة، لما تتضمنه غالب الأفلام من مضامين ثقافية خطيرة على الأمن الفكري للبلاد، وعلى منظومة الأخلاق التي تتعرض لموجات الإفساد الأخلاقي، من خلال القنوات الفضائية لما يزيد على عشرين سنة. وكذلك لما لها من آثار في زيادة الجرائم بأنواعها لما تصوره من أساليب لارتكاب الجريمة.

و مما يقلق المجتمع هو في محاولة الإيحاء بأن الشباب يؤيد مثل هذه النشاطات، وأنها تعبر عن رقي وتحضر وتحسين ذائقة المجتمع، وهي أمور لا تثبتها أحوال المجتمعات الغربية؛ حاضنة السينما وكاهنتها.

وَمِمَّا يثير الشكوك هو في تغييب الصوت العاقل في مناقشة هذه الأمور في الصحافة، وبث التصريحات ونشر المقالات المؤيدة فقط.

وهذا ما يظهر الدور الذي يقوم من يطلق عليهم في نظريات الإعلام بـ "حراس البوابة"، الذين يسمحون برأي واحد فقط لاغير، ويحجبون الرأي الذي يعارضهم، وكان الأولى بهم أن يسمعوا ويعرضوا الرأي والرأي الآخر. فمن استمع أو عرض تصريحات المدير التنفيذي لهيئة الترفيه، عليه من باب العدل والإنصاف أن يستمع ويعرض حديث سماحة المفتي العام وغيره من مفكري البلاد ومثقفيها المنشورة في وسائل التواصل.

إن أمام "هيئة الترفيه" تحديا حضاريا؛ يتمثل في القدرة على ابتكار نماذج من الترفيه المنضبط؛ المؤسس على ديننا وهويتنا وأخلاقنا، وأن تتصالح مع المجتمع لتنجح مشروعاتها، وأن تعمد الهيئة إلى واقع صناعة الأفلام وتأثيرها في المجتمعات، وتتأمل في رفض الدول الصناعية القوية لفتح عقول شبابها أمام محاولات الهيمنة من منافساتها من خلال الأفلام، وحراك مفاوضات التجارة العالمية، التي تحدد عدد الأفلام التي تعرض في دور السينما كل سنة،  دليل على استشعار خطورة المضامين التي تحملها الأفلام على الاقتصاد والاجتماع والأمن والهوية الوطنية.

 

لا تزال أمام الهيئة الفرصة سانحة لصناعة ترفيه آمن، وإشراك العقلاء الحريصين على السلم الأهلي، والأمن الفكري، والقوة الأخلاقية لشبابه، وفتح المجال للشباب المليء بالأفكار الإبداعية البعيدة عن التقليد الأعمى.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
جدال السينما تبدأ بـ
-- ميمونة السلومي - السعودية

18 - ربيع الآخر - 1438 هـ| 16 - يناير - 2017

مقال رائع. شكرا لكم وفي وقته

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...