جميلة بنت سعد: اليتيمة الفقيهة لها أون لاين - موقع المرأة العربية

جميلة بنت سعد: اليتيمة الفقيهة

وجوه وأعلام
23 - ذو الحجة - 1437 هـ| 26 - سبتمبر - 2016


1

كان لجميلة أختان كبريانِ، تعرَّضا قبل مولدها لأَزْمَةٍ مع عَمِّهما، فاشتكتْ أُمُّهنَّ للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فنزلت آيات من القرآن الكريم كانت تحوُّلًا جوهريًّا وتوثيقًا إلهيًّا لحقوق النساء في الميراث، وكانت خيرًا وبركة على جميع النساء، وتأكيدًا على أنه لا يحق لأحد ـ أيًّا كان ـ أنْ يَستغلَّ قرابته أو ولايته عليهن في أكْل حقوقهن، فإن فعَل كان آثمًا متعديًا لحدود الله وأحكامه.

 

ذلك أنه لما استشهد سعد بن الربيع في غزوة أُحد، جاء أخوه فأخذ ميراثه دون أن يترك لزوجة سعدٍ وابنتيه شيئًا ـ وكان هذا النظام المُتَّبع قبل الإسلام ـ فانطلقت عُمرة ـ  زوجة سعد وأم البنتين ـ إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقالت:"يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتل أبوهما معك في يوم أحد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما...".

 

فقال:"يقضي الله في ذلك"، فنزلت آية الميراث أي قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ...} [النساء: 11]، فأرسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى عمِّهما فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثُّمُن، وما بقي فهو لك"[رواه الترمذي وغيره، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وحسنه الألباني].

 

وهكذا تنزَّل القرآن بسبب أسرة جميلة؛ ليمحو عادةً جاهلية كثيرًا ما تسببت في ضياع حق النساء، ويأمر المسلمين بإعطائهن حقوقهن وتسليمها إليهن كفريضة يُتعبَّد بها إلى الله.

 

في هذه الأسرة المؤمنة التي رأت ـ ورأى معها العالم أجمع ـ كيف أعطى الإسلام للمرأة حقوقها المالية وكرَّمها، وجعل المسلمين يتعبدون إلى الله ويطيعونه بإعطائها حقوقها وميراثها، في هذه الأسرة وُلدتِ الصحابية الجليلة جميلة بنت سعد.

فمن هي جميلة؟

إنها ابنة الصحابي سعد بن الربيع بن عمرو الأنصاري الخزرجي، الذي كان أحد النُّقَباء (رؤساء القوم) الذين شهدوا بيعتي العقبة الأولى والثانية، وهو الذي آخى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بينه وبين الصحابي عبد الرحمن بن عوف من المهاجرين، فسمعت الدنيا منه أعظم مواقف الأُخوَّة والإيثار، وخلَّدت مَوقفَه ذلك آياتٌ من القرآن الكريم، كما أنه شَهِد مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غزوتي بدر وأُحد، فقاتل قتال الشجعان، وأبلى بلاءً حسنًا، ثم استشهد يوم أحد مُتأثرًا بجراحه.

 

وأما أمها: فهي عُمرة بنت حزم بن زيد، من نساء الأنصار ذوات الفطنة والحزم والكَرم، وكانت حاملًا بجميلة حين خرج زوجها سعدٌ مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لغزوة أُحد.

ولدت جميلة يتيمة الأب بعد أشهرٍ من استشهاد أبيها سعد، واشتهرت بكنيتها: أم سعد.

 

في رعاية أبي بكر: إحسان وكرامة

وقد تولى أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ رعايتها والاهتمام بها بعد وفاة أبيها، فتربَّت في بيت أبي بكر الصديق مدة من الزمن أتاحت لها أن تتعلم من مكارم أخلاقه، ونبيل صفاته، وصدق إيمانه وإخلاصه الكثير الكثير.

ويكفي أن نذكر موقفًا واحدًا، لنعلم به كيف تعامل أبو بكر مع جميلة بنت سعد الطفلة اليتيمة، وكيف كانت تشعر عنده بالتكريم والاحترام وحسن المعاملة، حتى إنها ظلَّتْ تذكُر فضْل أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ عليها ولا تنساه بعد أن كبرت وصار لها أولاد، بل كانت تحكي لهم ذلك في فخرٍ وسعادة، تقول جميلة: إنها دخلت على أبي بكر الصديق، فألقى لها ثوبه حتى جلست عليه، فدخل عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فسأله: مَن هذه البنت الصغيرة؟

فرد أبو بكر على الفاروق عمر بكلام جعل جميلة تشعر بالكرامة والفخر بأبيها، ولا تحسُّ بذُل اليُتم أو استصغار شأنها، قائلًا: هذه ابنةُ مَن هو خير مني ومنك!  

فقال الفاروق عمر متعجبًا: ومَن خير مني ومنك إلا رسول الله؟ قال: رجلٌ قُبض على عهد رسول الله، وأخذ مقعده من الجنة، وبقيتُ أنا وأنت.

زواجها:

 حين بلغت جميلة سن الزواج، خطبها الصحابي زيد بن ثابت الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ  وهو أحدُ كتَّاب الوحي المشهود لهم بالأمانة والذكاء والورع والفقه وسعة العلم، فاستفادت جميلة من فقهه وعلمه، وسعدت بأخلاقه الكريمة، وأحبته حبًّا مُخلصًا، وكانت نِعم الزوجة الطائعة الودود الوفية، بل إنها كانت حريصة أن تتلمذ على يديه، فلم يبخل عليها بشيء من علمه، حتى أصبحت هي الأخرى من العالمات الفقيهات.

أنجبت جميلة لزيد اثني عشر من الأبناء، هم: خارجة، وسليمان، ويحيى، وعمارة، وإسماعيل، وأسعد، وعبادة، وإسحاق، وحسنة، وعمرة، وأم إسحاق، وأم كلثوم.

 

وكانت أم سعد تحفظ بعض أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ومنها حديث تروي فيه ما حدَث للصحابية أم عمارة نسيبة بنت كعب ـ رضي الله عنها ـ في غزوة أحد (وهو حديث طويل يُبيِّن كيف كان للمرأة دور عظيم في الجهاد في سبيل الله، والدفاع عن رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وسلم ـ).

فرضي الله عن الصحابية الجليلة جميلة بنت سعد وأرضاها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 المراجع:

ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البرالمالكي.

ـ أسد الغابة، لابن الأثيرالجزري.

ـ الإصابة في معرفة الصحابة، لابن حجرالعسقلاني.

.           

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...