حتى نخرج من خندق التردد! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

حتى نخرج من خندق التردد!

عالم الأسرة » هي وهو
02 - ذو القعدة - 1437 هـ| 06 - أغسطس - 2016


1

إن الزواج فطرة، وهو يلبي لدى كل من الجنسين جوانب وجواذب كثيرة، ومن الطبيعي أن يكون تفكير الفتاة فيه (أكثر) باعتبارها المطلوبة لا الطالبة. وقد اتصل علي، ولا يزال يتصل، الكثير من الفتيات، اللاتي يؤرقهن التفكير في موضوع الزواج، سواء بسبب إلحاح الغريزة الفطرية، أو بسبب الخوف من الاستمرار في ركوب قطار (العنوسة)، خاصة ممن ترى نفسها قد جازت الخامسة والعشرين. وكنت أقدر تلك المشاعر والأحاسيس، وأتأثر بلغة الشكوى (المرة) الصادرة منهن، وأقف ـ أحياناً ـ عاجزاً في (عزمي) على الفتاة ألا توافق على الارتباط بزوج ساقت لي مواصفاتٍ له، شعرت معها أن عمر زواجها معه لن يطول.

إذ تبدأ (عملية) شد الحبل بين العقل والعاطفة لدى الفتاة. العقل (يصرخ) من الأعماق، معتبراً مثل ذلك الارتباط ـ غير المتكافئ ـ نوعاً من الانتحار، خاصة حين يكون (الخاطب) متلوثاً ببعض السلوكيات، التي يصعب التخلص منها، كالإدمان مثلاً. ويظل العقل يخطب - صائحاً -: كيف ندخل في مشروع نوقّع على (خسارتنا) فيه عند (باب) الدخول لكن العاطفة ـ متذكرة كلام الأم والجدة ـ تذوي شفتيها قائلة: البنت (زهرة)، وكل يوم يمضي يسهم في جعلها (تذوي)، والشباب يحرصون على الارتباط بالصغيرات، ويبتعدون ممن هنّ أكبر منهم. ومعنى (رفض) الفتاة لشاب باعتبار (تباعد) المستوى بينهما، أو وجود سلوكيات غير جيدة، معنى ذلك أنها تهيئ نفسها لقبول التعدد، فكل سنة تمضي تجعل فرصة ارتباطها بشاب (جديد) أقل!

وهذا ما يصطرع ـ بقوة ـ داخل نفس الكثير من الفتيات، ممن يقفن ـ منتظرات ـ على (باب) الزواج، وهو أمر شبه طبيعي، باعتبار تلك الفتيات بشراً (عادياً)، تخالطه (كل) صفات البشر. وذلك الصراع هو ما يجعل الفتاة تقدم مرة وتحجم أخرى، وربما كثرت استشارتها، بل ربما ترك ذلك (بصمات) على نفسيتها، فبدت عصبية ساهمة كثيرة التفكير، إن لم ينعكس ذلك على جسمها وصحتها، لتبدو ناحلة الجسم، شاحبة الوجه وفي ظني أن المخرج من ذلك هو الرجوع للسؤال الأصلي: ما الهدف من الزواج؟ أو لماذا نتزوج!؟

إن هناك ـ من الفتيات ـ من تتزوج إرواء للغريزة، وهذا شيء فطري، لكن الأمر يفقد قيمته، حين تكون النفس مدفونة تحت ركام المشكلات، الناتجة من سوء سلوك الزوج. وهناك من الفتيات من تتزوج هرباً من مشكلات أهلها، أو من مشكلاتها معهم، لكنها قد تخرج من (رمضاء) عند الأهل إلى (جحيم) عند الزوج، وهناك، وهناك.

ولكنها كلها طرائق غير سالكة، ومن ثم لا تحقق الهدف الأصلي من الزواج حين نقرأ قول الله تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"سورة الروم21، ندرك الهدف الحقيقي للزواج: إنه السكن، أي الراحة والطمأنينة والهدوء النفسي، الناتج عن (مزيج) من المودة والرحمة، وهو ما لا يتمّ إلا عندما يكون الزوج على مستوى من المسؤولية، وعلى درجة من العقل. ويكون هو بذلك حريصاً على ألا يرتبط إلا بزوجة يغلب على ظنه توافقها مع صفاته ومطالبه، لأنه بزواجه يبحث عن الاستقرار النفسي، ولن! يتمّ له ذلك إلا بذلك!

وحينذاك يحدث تجاذب مطرد، يزيد مرور الأيام أواصره قوة، وتنبت شجرة الحب، التي يسقيها كل من الزوجين، ومن ثم يستظلان تحتها. يدرك كلٌّ منهما واجباته قبل أن يطالب بحقوقه، ويسعى كلٌّ منهما للآخر بمطالبه ربما قبل أن يطلبها.

كم أنزعج جداً وأنا أسمع شكاوى فتيات من مشكلات داخل بيوتهن، أو أسمع شكاواهن من (تأخر) الخطاب، ثم أبادر بنصحهن ألا يدفعهن ذلك إلى الاستعجال بقبول (أول) خاطب. وتمضي قافلة الأيام لأفاجأ بصوت تلك الفتاة، تروي لي أنها قد تزوجت من شهر أو أشهر أو سنة، وقد كشفت في (دنيا) زوجها أموراً، وهي لم (تتوقع) أن يكون كذلك، أو أنها اكتشفت أن بينها وبينه مسافات (شاسعة) في الهموم والطموحات والتفكير، ويزيد الأمر سوءًا حين تكون الزوجة (حاملاً). وتكون شكوى الزوجة منصبة هل تطلب الطلاق أم تبقى؟!

وواضح أنها ـ حينذاك ـ تعيش قدراً من التردد؛ فهي تدرك أنها بالطلاق سترتدي (ثوب) الطلاق، وهو لباس سيئ السمعة مجتمعياً، وإما أن تبقى مع زوجها! مع أنها تدرك - بوضوح- أن زاوية العلاقة بينهما تزداد (انفراجاً)!

لقد كنت أقرأ ذات يوم أبيات قالتها فتاة قبل قرون، وشعرت بمساحة ضخمة من الرثاء تجتاح نفسي، وأنا أقرأ تلك الأبيات، التي تصور حواراً يدور بين تلك الفتاة وبنات عمها، وهنّ يستعرضن همومهن حول تأخر الخاطب، تقول الأبيات:

قالت سلمى ليت لي زوجاً يمنْ      بحكِّ جلدي ويواريني الحزن

قالت بنات العمّ: يا سلمى وإنْ      كان فقيراً معدماً؟ قالت: وإنْ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: مركز استشارات لها أون لاين بتصرف

لمطالعة نص الاستشارة :

http://www.lahaonline.com/consultation/view/8484.htm

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


د. عبد العزيز بن عبد الله بن صالح المقبل

بكالريوس في اللغة العربية، ما جستير ودكتوراه في الأدب العربي.

أستاذ مساعد في كلية اللغة العربية في جامعة القصيم.
عضو مؤسس في لجنة تيسير الزواج والرعاية الأسرية ببريدة.
مهتم بالجوانب التربوية والاجتماعية وشؤون المرأة منذ أكثر من عقدين.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...