حقيقة الورود العراقية

دراسات وتقارير » بحوث ودراسات
06 - ذو القعدة - 1424 هـ| 30 - ديسمبر - 2003


هيا الرشيد

 

عندما سارت جحافل الظلم والطغيان، ووصلت إلى مشارف بلاد الرافدين، كنّا بطبيعة الحال نسمع أصواتهم دون أصوات إخوتنا في العراق، تكلموا عن التحرير، والديمقراطية التي جلبتها إنسانيتهم المصطنعة لأهل العراق، وكأننا نستمع إلى حقائق دامغة، أطفالنا يستمعون إلى تلك الكلمات الرّنانة من الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته ووزير الدفاع، فلا تعي عقولهم الصغيرة معناه، ولكنها تستشعر نزعة الكذب والخداع، تساءلنا كثيراً وقت الحصار: أَيُحَرَرُ شعب من الحرية؟ أم أن التحرير الأمريكي له نوع آخر؟

فعندما تم غزو أفغانستان من قبل لم نستمع لكلمة التحرير مرّة واحدة وكأنهم لم يجدوا لنظام طالبان هفوة تستمطر مشاعرنا وأحاسيسنا ضده، فقالوا عنها صراحة: إنما هي عملية تأديب للنظام؛ لأنه على حد زعمهم يدعم الإرهاب.

أما النظام العراقي فقد شاعت هفواته ونزواته؛ لذلك استطاعوا ببلاهة أن يقولوا عنه ما يحلو لهم، وفي اعتقادهم أن المسلمين سيرتضونهم بدلاً من النظام المتهالك، ونسوا أو تناسوا أن هناك ألف بديل وبديل يستطيع العراقيون أن يعوضوا به أرضهم وشعبهم عن نظام ظَلَمَهُمْ لعقود من الزمان، فثمانية عشر يوماً هزيلة حارب فيها الأمريكان ومن حالفهم ما يدّعونه من إرهاب، تساوى أمام دوي مدافعهم وطلقات رشاشاتهم الصغير والكبير، والرجل والمرأة.

وعندما سقط النظام زالت الأقنعة وانقشعت السحب، وكشّر الاحتلال الأمريكي عن أنيابه.. وما أسعدنا ويسعدنا حقيقة تلك الورود التي توقعوا أن يستقبلهم العراقيون بها انقلبت في وجوههم مقاومة شرسة صلبة، وأن قطرات النفط التي طمعوا في تحصيلها يدفعون ثمنها غالياً من دماء أبنائهم، أما الأرض بموقعها الاستراتيجي فقد أصبحت مقبرة لتجبرهم وطغيانهم، ويكفينا فرحاً أن النعوش التي تصل تباعاً إلى أمريكا من أفغانستان والعراق على حد سواء تفتح بصفة يومية بيوتاً للعزاء لدى عائلات الجنود القتلى الذين غُرِرَ بهم، فتلك الورود التي توقعوا أو داخلتهم الأماني في تحصيلها وجدوها بالفعل ولكنها ورود من نوع آخر، نوع لا يقبل الذل ولا الإهانة، قذائف متنوعة تُلقى على مبانيهم، وقنابل يدوية تُستهدَفُ بها تجمعاتهم، وألغام أرضية تتهدد مركباتهم على اختلاف أنواعها، ورشّاشات تحصد أعمارهم.

المقاومة العراقية تتصاعد، والحقائق تتكشف وتظهر يوماً بعد يوم، قد تكون الحقيقة قبل أشهر غير ظاهرة للعيان، أما الآن فقد أصبحت جلية واضحة لنا كمسلمين وللشعوب الأخرى التي غرّرَت بها حكوماتها، فأفراد الشعب العراقي أعلنوها صريحة مدوية بأنهم لن يرتضوا بالحكم النصراني بديلاً، ولن يقبلوا بوجود أجنبي على أرضهم، وأنهم سيرفعون الراية حتى آخر رمق، وأن الحرية التي تدّعي أمريكا جلبها لهم، ليس لها وجود على أرض الواقع، بل أمريكا نفسها هي من تُريد وتتمنى أن تنقل أهل العراق من نسائم الحرية إلى الرق والعبودية، لتخدم أهدافها ومصالحها دون أدنى تفكير في مصير غيرها.

ونعلم جميعاً أن النصرانية ليست عن اليهودية المجاورة ببعيد، فكلاهما يكيد للإسلام والمسلمين، وقد يكون النصارى بحملهم الصليب، واجتياحهم لبلاد المسلمين الواحد تلو الآخر، وادعاءاتهم بالنصرة والمساعدة قد غاب عن أذهانهم قاعدة ذهبية يتعامل من خلالها كل فرد في المجتمع المسلم، وهي معاداة اليهود والنصارى تبعاً لأمر إلهي يعد أصلاَ من أصول الدين الإسلامي، وركنا من أركانه، وأنهم مهماً حكموا الإعلام وأوحوا للعوام بأفكارهم التي يبثون من خلالها إيحاءاتهم بأن الشعوب تفرح بتواجدهم وتتلقّاهم بالأحضان، فالشعوب المسلمة سيرتكز فكرها وتعاملها على أمر المولى عز وجل من خلال هذه الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}( سورة المائدة: 51).

 



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


هيا الرشيد

ماجستير ثقافة إسلامية - جامعة الإمام

علامية وكاتبة سعودية

الرياض


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...