حكم الرطوبة(2 ـ2) لها أون لاين - موقع المرأة العربية

حكم الرطوبة(2 ـ2)

دعوة وتربية » سنن وفضائل
11 - ربيع أول - 1437 هـ| 22 - ديسمبر - 2015


حكم الرطوبة(2 ـ2)

تم الحديث في الحلقة الأولى عن: أهمية الموضوع، وبيان حكم الرطوبة الخارجة من رحم المرأة، وهل هي نجسة؟ واليوم يتم الكلام والإجابة عن هذا السؤال: هل الرطوبة تنقض الوضوء؟

 

هل الرطوبة تنقض الوضوء؟

في نواقض الوضوء لم أجد من تكلم على الرطوبة بإسهاب، أو عدها من نواقض الوضوء بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، بل ولا بقول صحابي ولا تابعي ولا بقول أحد من الأئمة الأربعة.

قياس الرطوبة على سلس البول لا يسوغ وليس بدليل لأمور:

1) جرت العادة على قياس النادر على الشائع، والقليل على الكثير، وليس العكس، فالرطوبة كثيرة يعم بها البلاء، والسلس حالة نادرة مرضية تخص القليل.

2) أن القياس يكون فيما يجمع بينهما أوصاف مشتركة، والأوصاف هنا مختلفة، فالرطوبة طاهرة والبول نجس، والبول مستقذر خبيث، أمرنا بالتنزه منه، ولم نؤمر بالتنزه منها، بل سماها الله طهارة حيث قال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) البقرة 222.

فسمى الله نزول الرطوبة طهارة، وجعلها علامة على زوال نجاسة الحيض، ولو كانت نجاسة لما كان بين إتيان النساء في القبل أو الدبر كبير فرق. وهذا ممنوع بالشرع والعقل. والرطوبة معتادة وطبيعية والسلس مرض وغير معتاد.

3) قياس الرطوبة على الريح الخارجة من الدبر أيضا لا يصح؛ لاختلاف المخرج. فهلا قيست على الريح التي تخرج من القبل، فالأوصاف مشتركة أكثر فهما جميعا طاهران وتخرجان من مخرج طاهر، فكان ينبغي أن تلحق الرطوبة بالريح الخارجة من القبل. وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الريح التي مخرجها القبل لا تنقض الوضوء، ومنهم فضيلة شيخنا ابن عثيمين رحمه الله، حيث قال فيها: (هذا لا ينقض الوضوء، لأنه لا يخرج من محل نجس كالريح التي تخرج من الدبر).

القائلون بعدم نقض الرطوبة للوضوء:

الذي يفهم من ترك العلماء لذكر الرطوبة من نواقض الوضوء أنهم لا يرونها ناقضا وليس العكس، فلو كانوا يرونها ناقضا لذكروها من النواقض، ولو كان العلم بها مشتهرا كما صنعوا في البول والغائط وغيرهما.

ومما يمكن أن يستدل به على عدم نقض الرطوبة للوضوء أمور:

1) إنه لم يرد فيها نص واحد، لا صحيح ولا حسن، بل ولا ضعيف، ولا قول صحابي، ولم يلزم العلماء أحد من النساء بالوضوء لكل صلاة كحال المستحاضة.

ولو علمت النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يلزمهن الوضوء لكل صلاة بسبب الرطوبة، لما كان لسؤالهن عن الاستحاضة معنى، فإنهن لم يسألن عن الاستحاضة إلا أنهن لم يكن يتوضأن منها لكل صلاة.

2) إن نساء الصحابة كسائر النساء في الفطرة والخلقة، وليس كما زعم بعضهم أن الرطوبة شيء حادث في هذا الزمان أو أنه يصيب نسبة من النساء، ولا يصيب الجميع، بل هو شيء لازم لصحة المرأة وسلامة رحمها، كحال الدمع في العين، والمخاط في الأنف، واللعاب في الفم، ولو قيل: إن هذه الأمور حادثة وليس منها شيء فيما سبق لم يوافق على ذلك أحد. والنساء أعرف بهذا غير أن نسبة الرطوبة تتفاوت في كميتها تبعا للطبيعة كالعرق والدمع، فبعض الناس يعرق كثيرا، وآخر يعرق قليلا وليس أحد لا يعرق بته، ولو كان لصار ذلك مرضا، ولو افترض أن هذه الرطوبة لا تصيب كل امرأة بل تصيب نسبة منهن، فما مقدار هذه النسبة؟ أهي أقل من المستحاضات! فما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين أحكامهن حتى جعل المحدثون والفقهاء للمستحاضة كتبا وأبوابا في مصنفاتهم، وهن أربع عشرة امرأة كما عدهن ابن حجر رحمه الله. فلا يصح أن يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك بيان هذا الأمر، لأنه لا يصيب كل امرأة، والأحكام تنزل في الواحد والاثنين والحادثة وإن خصت فحكمها عام.

3) كانت الصحابيات يصلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وربما كن صفا أو أكثر، وربما صلى بالأعراف أو الأنفال أو الصافات أو المؤمنون، ويطيل الركوع والسجود، ولم يرو أن بعضهن انفصلت عن الصلاة، وذهبت لتعيد وضوءها، فالأيام كثيرة، والفروض أكثر، وحرصهن على الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم مستمر. وبلا ريب أنه تنزل من واحدة أو أكثر هذه الرطوبة أثناء الصلاة، كما يصيبنا نحن في صلاة التراويح أو غيرها، ولم يستفسرن عن هذا، ولو كان الأمر مشروعا والوضوء واجبا وقد تركن السؤال ظنا منهن بالطهارة، فمستحيل أن لا ينزل الوحي في شأنهن.

4) إن تكليف المرأة بالوضوء لكل صلاة لأجل الرطوبة إن كانت مستمرة أو إعادتها للوضوء إذا كانت متقطعة شاق، وأي مشقة، وهو أكثر مشقة من الاحتراز من سؤر الهرة الطوافة بالبيوت حتى جعل سؤرها طاهرا، وهي من السباع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلل طهارة الهرة بمشقة الاحتراز حيث يقول: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ" ذكر ذلك ابن تيمية في مجموع الفتاوى 21-599. (والحديث رواه مالك وأحمد وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم، وصححه الترمذي وغيره).

5) إن الله تعالى سمى الحيض أذى وما سواه فهو طهر فقال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) البقرة 222.

6) أخرج البخاري في كتاب الحيض، باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض، عن أم عطية قالت: " كنا لا نعد الصفرة و الكدرة شيئا". قلت: فلئن كن لا يعددن الصفرة شيئا، فلأن لا يعددن الرطوبة شيئا أولى. وقولها: لا نعد الكدرة والصفرة شيئا من الحيض ولا تعد الصفرة والكدرة موجبة لشيء من غسل أو وضوء، ولو كانت توجب وضوءا لبينت ذلك.

7) أن جعل الرطوبة من نواقض الوضوء مع خلوه من الدليل يحرج النساء "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" الحج 78.

وإلزام النساء بما لم يلزمهن به الله ـ تعالى ـ ولا رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلفة وشدة، وإن هذا الدين يسر.

والله أسأل أن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


د. رقية بنت محمد المحارب

دكتوراه في الحديث.

-أستاذ مساعد بكلية التربية (الأقسام الأدبية) .
- لها العديد من المشاركات في الصحف والمجلات ، وألقت العديد من الدروس العلمية والمحاضرات والدورات.
- من مؤلفاتها:
"النص في تحريم النمص"
"كيف تخشعين في الصلاة"
"الإبانة عن أسباب الإعانة على صلاة الفجر وقيام الليل".


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...