حول مفهوم المثالية

كتاب لها
20 - شعبان - 1435 هـ| 19 - يونيو - 2014


1

 

     يأخذ الطرح الإسلامي موقفا مغايرا في كثير من المفاهيم السائدة، فعلى سبيل المثال فإن مفهوم "الابتلاء" يغلب على تصوره لدى أكثر المفاهيم الأخرى الجانب المحزن والأليم فحسب.

 أما في الإسلام فإن مفهوم "الابتلاء" يتوازن بين الجانب المفرح و الجانب المحزن معا، يقول الله تعالى: (ونبلوكم بِالخير والشر فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)الأنبياء 35.

 

ومن تلك المفاهيم أيضا مفهوم "المثالية" فهو ليس مفهوما نظريا مغرقا في الخيال لا علاقة له بالواقع، كما هو الحال لدى بعض المفاهيم الأخرى، وإنما هو - في الإسلام - متحقق وقائم في الواقع بالفعل.

 

   والله تعالى طالبنا بأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسوة لنا في جميع أمورنا، وهو صلى الله عليه وسلم ـ بلا شك ـ الإنسان الكامل، المثالي في جميع أحواله، الذي وصفه ربه تبارك وتعالى بقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم)سورة القلم، فجاءت كلمة خلق نكرة في الآية الكريمة لتفيد الشمول والعموم، فليس خلق واحد  اتصف به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هي أخلاق كثيرة شاملة ومتنوعة.

 

       فعلى سبيل المثال لا خلاف حول أهمية العمل وإتقانه وتجويده على المستوى الوظيفي، وإنما تأتي المشكلة في كون إتقان هذا العمل الوظيفي يأتي على حساب أعمال ومهام أخرى، فكم من شخص مجود لمهنته متقن لها، ولكنه مقصر في حق أولاده مهمل لهم، وبالمقابل كم من شخص يرعى أولاده ويهتم بهم، ولكنه غير مبال بتجويد عمله وإتقانه.


     فالرجل المثالي هو ذلك الرجل الذي يوازن بين مسؤولياته على كل المستويات، ويتقن ويهتم بجميع أعماله، فهو موظف مبدع، ووالد حنون، وجار متعاون، وسائق ماهر، وقبل كل ذلك مواظب خاشع في المسجد، والأهم من ذلك هو أن الأعمال والمهام يدعم بعضها بعضا، فالذي يحيا حياة أسرية مستقرة فإن هذا الاستقرار بلا شك يدعم أداءه الوظيفي، والعكس صحيح إذ إن المقصر في مهمة ما في حياته، فهذا قطعا سوف يكون خصما على المهام الأخرى، فكما أن النجاح هنا لا يعفيك من الإخفاق هناك، فإن النجاح هناك يدعم ويعزز نجاحك هنا.


     فليس من الصواب في شيء أن يقال: إن المهام كثيرة أو متعددة، وإن الجمع بينها نوع من المثالية غير قابل للتحقيق، وإلا كنا نخالف في سلوكنا ما نعتقده في تصوراتنا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وقد كان يحمل أعظم مهمة، تقول عنه عائشة بنت الصديق  رضي الله عنهما: "كان النبي صلى الله عليه وسلم في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة يتوضأ ويخرج إلى الصلاة"رواه البخاري.  

والله تعالى في كتابه يقول: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)سورة فصلت 33،  فالآية جمعت بين القول والعمل ولجميع المسلمين.

  

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...