حينما نتناول المعاني بطريقة جديدة.. بر الوالدين نموذجا!

كتاب لها
25 - ربيع الآخر - 1436 هـ| 15 - فبراير - 2015


1

المعاني مثلها مثل كل كائن حي، يعتريها الذبول والضمور من جراء الرتابة والتكرار الممل، لذلك تحتاج بين كل فترة وأخرى إلى إحياء، وتحتاج إلى تنظيف الغبش الذي يظهر عليها وإجلاءها لتصير ناصعة براقة كأصلها، إذ إن مجرد تكرارها وإعادة صياغتها بالشكل نفسه، قد لا يعمل على إبرازها وتوضيحها.

          ولعل جلاء المعاني يكون في جانبين، أحدهما: إظهارها بصورة تبين قيمتها، وتوضح مراميها بشكل ملفت وبارز لمن تعرض له. والثاني: من خلال تطبيقها سلوكيا، فالسلوك يبين المعاني ويبرز ثمرتها وقيمتها.

ولعل مما يبين جلاء المعاني هو إبرازها على شاكلة مقولة (الجزاء من جنس العمل) كمثال، فما من عمل إلا وله جزاء من جنسه، فزارع الخير يحصد الخير، وزارع الشر يحصد الشر ولو بعد حين. فليس من المعقول أن نقدر شخصا ونحترمه ونرفع من شأنه، وهو لم يقدم لنا شيئا يذكر، أو أنه قدم لنا شيئا مكروها، لأن الجزاء من جنس العمل كما ذكرنا.

          واستنادا إلى المعنى السابق يمكننا أن نجلي مفهوم بر الوالدين بنظرة الجزاء من جنس العمل، فقيمة بر الوالدين صارت مستهلكة ومتناولة بصورة غير مؤثرة وغير فعالة، فكم من أفكار تنادي بعدم قيمة وجودنا كبشر، وأن الإنسان أفسد في هذه الحياة أكثر مما أصلح، وبالتالي لا ينظر للوالدين على أنهما أصحاب فضل، ولا يرى لهما حقا لأنهما بنظره من تسببا في وجوده بدار الشقاء والبلاء، وهو ما حدا بالشاعر أبي العلاء المعري أن يقول:

هذا ما جناه أبي علي               وما جنيت على أحد

     ورغم أن الله سبحانه وتعالى حسم هذه القضية في كتابه العزيز حيث يقول: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون "[1]

   ولكن لو كانت هذه النظرة صحيحة لما استحق الوالدان كل هذا التقدير والبر والأمر بالإحسان إليهما، والوفاء بحقهما من الله تعالى؛ لأننا باختصار نقدر ونجل من تسبب في وجودنا، ولو أن هذه الحياة بلا قيمة، وليس لها معنى عظيم لما وجد الوالدان هذا التقدير الإلهي من جهة، والفطري من جهة أخرى، حتى إن البشر الذين لا يؤمنون بالله فإنهم يقدرون الوالدين كذلك.

     والله سبحانه رفع شأن الوالدين، وربط الإحسان إليهما بعبادته سبحانه حيث يقول جل شأنه: "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا"[2] فوجود الإنسان في الحياة نعمة عظيمة لو توجها بعبادة الله تعالى، لذا فإن الوالدين قد أسديا لنا جميلا عظيما حين كانا سببا لوجودنا، وهما اللذان أوكل الله لهما رعايتنا، وهما اللذان يحفظان الإنسان من الانقراض، وبرعايتهما يستمر هذا العمل، إذ إن الابن يرعى أباه لأنه شاهد، وأدرك أن والده كان يرعى أباه، فهذا التبجيل والتعظيم للوالدين يدل من زاوية على قيمة الوجود، فقيمة بر الوالدين بهذه الكيفية يمكن تقديمها بصورة مختلفة تجلي معناها بشكل أكثر وضوحا وأبعد عن الرتابة والتكرار.

وبفكرة العمل والجزاء انتقلنا بموضوع بر الوالدين إلى موضوع آخر هو موضوع الوجود وقيمته، ورغم أننا استشهدنا بذات الآيات التي يستشهد بها أولئك الذين يرددون المعاني بعبارات وصيغ فقدت قيمتها، وأصبحت لا تؤثر على السامع، فالمقصود هنا هو الارتقاء بالمعاني، وربطها بأفكار وقيم أخرى تهم إنسان اليوم على وجه التحديد، وجاء موضوع بر الوالدين كمثال. ولكن ما أكثر المواضيع التي يتم تناولها ليتفاعل بها الناس، وهي بعيدة كل البعد عن واقع حياتهم واهتماماتهم رغم أهمية المواضيع، وما أود التأكيد عليه هو أننا يمكن أن ننظر إلى الموضوعات القديمة بأكثر من زاوية جديدة، حتى لا تفقد قيمتها مع الوقت، ومن هذه المواضيع شعور الإنسان بأخيه الإنسان في هذا العالم. وهو ما سنتناوله في وقت لا حق بإذن الله.

 

[1]سورة البقرة آية 30

[2] سورة الإسراء الآية 23

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...