خلافاتنا الزوجية وثقافتنا الغائبة لها أون لاين - موقع المرأة العربية

خلافاتنا الزوجية وثقافتنا الغائبة

عالم الأسرة » هي وهو
11 - رجب - 1438 هـ| 08 - ابريل - 2017


1

مشكلات ذات صخب عالٍ تضجُّ بها البيوت، ويُسمع صداها في الأرجاء كافةً، فتراها دموعًا وآهات في جلسات النساء، وسخريةً ونكاتٍ تنمُّ عن ألمٍ دفين في مجالس الرجال ومنتدياتهم، وتقرؤها على صفحات التواصل الاجتماعي حروفًا مثقلة بالهموم تكاد تقتل من يقرأها همًّا إذا عاشها وشعر بأصحابها، فترى حولك في جميع الأنحاء والأجواء أناسًا موجوعين يتأوَّهون بأصوات عالية، يظهر منها صوت الندم على هذه الخطوة ويقولون: (ألا ليت الأيام ترجع بنا فلا نتزوج ولا نرى أزواجًا).

 صورةٌ قاتمة تصيبك بالرعب، وتجعل الحليم حيران، وتجعل من يراها من الشباب أن يفكر ألف مرة قبل أن يتخذ هذه الخطوة التي من المفترض أن تكون بحثًا عن السكن والاستقرار؛ فلا تكون همومًا توغر الصدور وتنهك القلوب. وبفضل وسائل التواصل وقوة تأثيرها على الناس، أصبحت مشكلات كبيرة كان يراها آباؤنا وأجدادنا أمورًا تافهة، ولا تمثل لهم شيئًا؛ سببًا مباشرًا للفرقة والخلاف. وقد كان الرجل في العهد الماضي يحتمل من امرأته حماقاتها وقت غضبها، ولا يفكر أبدًا بالاستغناء عنها، وتحتمل المرأة من الرجل ما لا يحتمله غيرها منه، وتسعى لإرضائه رغم أخطائه وعيوبه. فقد كان الآباء والأجداد يمنحون شركاءهم حبًّا غير مشـروط، وأمانًا تامًّا، فلا تخرج المشكلات، ولا عيوب كل طرف خارج غرفة نومهما.

 وقد تغيَّرت اليوم طباع الناس؛ نظرًا لتغيَّر الزمان والأحداث والثقافات، ونظرًا أيضًا لاندماج ثقافات كثيرة، ضاعت وسطها ثقافتنا الأصيلة؛ بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، التي جعلت من العالم قرية صغيرة؛ فأصبحنا أكثر عرضةً للتوتر والقلق، وأصبح كل طرف يطالب بحقوقه أولًا، ثم بعد ذلك يرى حقوق غيره، فأنا أحبُّكِ بشـرط أن تكوني لي مطيعة وتسيري على هواي، وتتبني فكري ونمط حياتي؛ فلن أسمح لكِ بأن تُسمعيني رأيًا يخالفني، ولا أن تأتي بأمرٍ يخالف مرادي. وأنا أحبكَ بشـرط أن تشبهني تمامًا، فلا أحب منك صفاتٍ تخالف مقاييسـي. وأطالبك بأن تمنحني حقوقي أولًا؛ فتحترمني ولا تمسَّ كرامتي وكبريائي، وتحبّني كما يحب أبطال المسلسلات التركية وغيرها حبيباتهم، ولا ترفع عليَّ صوتًا، ولا تعاملني بقسوة ولا بعصبية، ولا تثقل عليَّ بكثرة الأوامر والنواهي. ويتناسى الطرفان في خضم هذه الأنانية المفرطة أننا بشـر، وأن الاختلاف سنة الله في أرضه، ولابدَّ أن نقدِّره ونضعه نصب أعيننا عند إنشاء علاقة مع الآخرين؛ فلكل صنف من البشـر طبيعة خاصة به لا بد أن تُحتَرم. ويجهل الطرفان أن التوفيق هو أن يكون شريك حياتك مكملًا لك، لا شبيهَك؛ فيسدَّ النقص الذي لديك، وتسدَّ أنت نقصه؛ فالصور المتشابهة لا تنشئ كيانًا تامًّا.

 وقد لاحظت في الآونة الأخيرة زيادة مطَّردة في معدلات المشكلات الزوجية خاصة بين الشباب حديثي عهدٍ بالزواج، ومع الأسف تزداد حدة الخلاف وتأخذ منحنًى مرعبًا؛ فتبوء زيجات كثيرة بالإخفاق وتنتهي بالطلاق في أول سنتين من الزواج، وما كل هذا إلا لانعدام وجود طرفٍ عاقل يحتوي الآخر، ولغياب الداعم النفسي المتمثل في مستشار أمين ينصح بحبٍّ وحرص، خاصةً من الأهل، وعدم وجود الرغبة الأكيدة لدى طرفي النزاع في التغاضي والتنازل من أجل التقارب وفهم الآخر. وما كل ذلك إلا نتيجة لاضمحلال الثقافة المطروحة على الساحة، وعدم إشباع النفوس بثقافتنا الغائبة عنا والتي لا تدرَّس في مدارسنا، ولا نراها على شاشاتنا، تلك الثقافة والأخلاق المحمدية العالية التي تقول للمرأة: «زوجك هو جنتك ونارك»، وتقول لها: «خيرُ نسائكم من أهل الجنة: الودود الولود العوود على زوجها، التي إذا أذنبت أو آذت أتت زوجها، حتى تضع يدها في كفِّه فتقول: لا أذوق غمضًا حتى ترضى» وتقول للرجل: «دارِها تَعِشْ بها»، وتقول له أيضًا: «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسـرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء». ولو كان الأمر بيدي لأنشأت لها معاهد ومنشآت علمية تدرسها لكل المقبلين على الزواج؛ فنشـر هذه الثقافة الشـرعية ضرورة لتقويم السلوك، وهي التنمية البشرية الحقيقية التي تغنيك عن جميع ما يطرح على الساحة في هذا الجانب الضروري لضبط سلوكيات البشر.

 تأتيك المرأة فتشرح مشكلتها مع زوجها؛ طالبةً حلًّا؛ فتحاول إبعادها عن الدائرة ولو قليلًا، فتصـرُّ أن تكون داخلها، تحاول وضعها مكان زوجها، فتأبى إلا أن تظلَّ مكانها، وتقول لك: «فليكُن هو مكاني، وليبادر هو إلى الحل. أو تقول لك: لو كنتُ مكانه ما فعلتُ نصفَ ما يفعله بي، ولتنازلتُ من أجل من تشاركني همي وفرحي؛ فلماذا تطالبونني بالتغاضي والتنازل، وتجعلونه هو الملك المتوَّج الذي لا بدَّ أن أبذل قصارى جهدي لإسعاده وإصلاح ما بيننا، حتى ولو كان ذلك على حساب كرامتي ومشاعري؟!

 والأمر نفسه يفعله الرجل، وأحيانًا يكون أشد قسوة، وأكثر حِدَّة في طريقة إصلاحه، متوهمًا أن قوامته عليها تقتضـي أن تسعى هي إليه، وأنها هي التي يجب عليها التنازل، والتغاضي من أجل أن تسير مركب الحياة، معللاً الأمر بأنه هو الرجل، وأن له القوامة، ويعلنها لك قاطعة: لن أتغيَّر، وهذا هو طبعي. فلو قلت له: طبيعتك مختلفة عن طبيعتها، وعقلك أكثر نضجًا ووعيًا من عقلها، وتفاعلك مع الأحداث مختلفٌ عن تفاعلها، وضغوطك ليست مثل ضغوطها، يفاجئك بأنه لا يتفهَّم تلك الطبيعة، ولن يأتي عليه يومٌ يرى زوجته وهي تروِّضه، ولم ولن يسمح لها بأن تشعر أنها انتصـرت عليه، وجعلت منه حملًا وديعًا، فهو الرجل وسيظلّ صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في بيته، ولن يكون القرار إلا له، والرأي رأيه، ولابدَّ أن تسعى امرأته لإرضائه. ونسمعه يكرر مقولة الرجال المتفقين دائمًا وأبدًا عليها، وهي أنه لا يحب المرأة النكدية، ولن يقبل بالنكد في حياته، وكأنه هو مصدر السعادة الوحيد في البيت، وكأنه لا يأتي عليه يومٌ يكون فيه نكديًّا مثلها، أو يميل إلى افتعال المشكلات لرغبته الأكيدة في النكد.

 الرغبة في الإصلاح لا بد أن تكون متوفرة لدى الطرفين، وتبدأ بتواضع كل منهما لصاحبه؛ فتُبدي المرأةُ لينًا مع رقَّة وحنانًا، ويبدي الرجل مرونةً مع مودة ورحمة. تقترب المرأة خطوة، ويقترب الرجل خطوة، ويقدر كلٌّ منهما للآخر رغبته في التقارب. وتعرف المرأة مدخل زوجها فتدخل إليه من خلاله، ويظهر الرجل سعادته لدخولها من هذا المدخل، ويشكرها عليه. ولا يعيب أحدهما أن يكون هو البادئ بالصلح، بل هذا الأمر يُعلي قدره؛ لأنه قد فاز بهذا الفضل العظيم الذي وضحه لنا رسولنا – صلى الله عليه وسلم: «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» ، ولو احتسب كل منهما ما يفعله للإصلاح خالصًا لوجه الله تعالى، ولو عمل كل منهما بمبدأ: (حياتنا أقصر من أن نضيعها في الخلاف مع من نحب)؛ لهان عليه الاقتراب والبدء بالسلام والتغاضي من أجل بقاء الود.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- إيمان - السعودية

23 - رجب - 1438 هـ| 20 - ابريل - 2017




من أجمل ما قرأت ، سلمت يداك

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...