خمسة أساليب نبوية لغرس القيم لها أون لاين - موقع المرأة العربية

خمسة أساليب نبوية لغرس القيم

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
09 - ذو القعدة - 1438 هـ| 02 - أغسطس - 2017


1

      يحكي أن أحدهم شرع بزراعة الخيزران، فاجتهد بتسوية التربة، واعتني بغرس البذور وسقيها باستمرار، ومر الشهر تلو الآخر حتى أتم العام، ولكن بدون أن تنبت شيئاً! ولأنه واثق من إتقانه لعمله فلم يعر اهتماماً لسخرية الآخرين، واستمر في رعايتها مع المداومة على نزع الحشائش الضارة من حولها، إلى أن أتم العام الرابع، ولكن أيضاً بدون نتيجة! فانتابه الحزن، وتسلل إليه الإحباط، وكانت المفاجأة مع بداية العام الخامس، حيث انطلقت الشجرة بقوة نحو السماء، ونمت بمقدار ثلاثين متراً في ستة أسابيع فقط، فما حدث في الأربع السنوات الماضية أن النبتة كانت تصنع شبكة ضخمة قوية من الجذور تحت التربة، لتكون بمثابة وتد يدعمها ويثبتها بالأرض حال إنباتها، فماذا لو كان تكاسل وتوقف عن رعايتها في السنوات الماضية؟

        ذلك هو حالنا مع أولادنا في تربيتهم؛ فهم تربتنا الخصبة، ونحن نمثل ذلك المزارع الصبور، وأما شجرة الخيزران، فهي القيم والمبادئ التي نسعى جاهدين لغرسها في نفوسهم، والتي تحتاج منا للصبر والمثابرة لتثبيتها علي أكمل وجه.

      وحتى تستطيع الإبداع في غرس القيم في أبنائك؛ فعليك بالتنويع في الأساليب التي تتبعها، وبدورنا نقدم لك أفضل خمس طرائق في غرس القيم، والتي كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حريصا على استعمالها في توجيه الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ.

      القصة:

      تعتبر القصة من أنجح الوسائل التربوية، وأكثرها تأثيراً وتشويقاً للجميع، ولدينا حصيلة وفيرة من القصص الإسلامية التربوية الثرية بالقيم والمفاهيم، ففي القرآن نجد قصصا كثيرة مشوقة، من خلالها أخبرنا الله تعالى عما دار بين الأنبياء السابقين وأممهم.

       وبالقصص قد يستعين المربى في غرس أجود القيم، من خلال إظهاره عنصر التشويق والإثارة فيها، ومراعاة التسلسل الزمني لأحداثها.

       وتأثير القصص التربوية يظهر على المدي البعيد الذي قد يصل لسنوات، فهي تُسجل وتُنقش في أذهان أبنائنا، وتسترجعها عقولهم حين التعرض لمواقف مشابهه لأحداث تلك القصة، فلذلك لا تستهين بأي قصة مهما كانت صغيرة.

       وتترسخ القيم أكثر في أذهان الأبناء من خلال تخصيص قصة تربوية على الأقل لكل قيمة تُروي للطفل، أكثر من باقي القصص حتى تصبح بمثابة مرجع له عن تلك القيمة.

      ولتعزيز القيم وثبيتها أكثر في ذهن الابن: اجعله يؤلف قصة مقتبسة من أحداث حياته، حول إحدى القيم يروي فيها تفاصيل موقف مر به، استشعر من خلاله هذه القيمة التربوية، وبمساعدة أحد الأبوين أو كلاهما يكتب الطفل القصة، ويدعمها بالرسومات، والألوان، مع تخصيص ركن بالمنزل لمؤلفاته.

      الموقف:

      يجب استغلال المواقف اليومية التي يمر بها الطفل، ولا تجعلها تمر مرور الكرام؛ بل وظفها في توجيهه بتعليقاتك وبلمساتك التربوية، فنجد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يستغل المواقف لتربية الصحابة، فقد كان معهم يوماً، فإذا بامرأة تبحث عن طفلها، وضمته فور أن وجدته، فأراد أن يغرس فيهم قيمة حب الله للعبد، فقال صلى الله عليه وسلم: "أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِى النَّارِ؟". قُلْنَا: لاَ وَاللَّهِ وَهِىَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- "لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا"(متفق عليه).

      ويمكن استغلال فترة مشاهدة الأطفال لأفلام الكارتون، لغرس فيهم بعض القيم اليومية اليسيرة، وأيضا أوقات ألعاب الفيديو، واستوقفهم عند المشاهد التي تتناول قضايا تربوية تهمك – سلبية أو إيجابية - لتتبادل معهم النقاش في الدروس المستفادة، وليكون النقاش على هيئة أسئلة، يتبادلون فيها آراءهم، وتُعقب بدورك خلالها بلطف>

     التعميم:

     يجب ألا يشعر الطفل – خاصةً وإن كان مراهقاً - أن الكلام موجه إليه بشكل مباشر، حتى لا يظن أن تصرفاته مرصودة، فيعاند أو يكابر، بل اطرح عليه الأمر في صورة قضية للنقاش المثمر، وتحاور معه بود، فكثيراً ما كان صلى الله عليه وسلم يستخدم صيغة الجمع بقوله: (ما بال أقوام؟)؛ فمثلا ما جاء عن عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَصُومُ فَلَا أُفْطِرُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا، لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»(متفق عليه).

      أو كان يقول عليه الصلاة والسلام: (إن أحدكم) كما في الحديث: "إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يلقاه"(رواه الترمذي، وصححه).

      موعظة الدقيقة الواحدة:

      إن أردت النصح والتوجيه؛ فعليك بالنصيحة المباشرة بطريقة لطيفة، ولا داع لسرد تفاصيل كثيرة، واحرص ألا تتعدي نصيحتك الدقيقة الواحدة؛ فنجد الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ حين أراد توجيه الغلام أصاب هدفه بطريقة إيجابية مباشرة، فعنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: "يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ. رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ" (رواه الترمذي، وحسنه العلماء).

      وحين كان عليه الصلاة والسلام يرى ما لا يسره لا يؤنب، ولا يوبخ؛ بل كان يركز على السلوك الإيجابي، فعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا غُلامُ سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ " فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طُعْمَتِي بَعْدُ". (متفق عليه).

      القدوة:

      القدوة هي الوسيلة الأكثر اختصاراً وتوفيراً للجهد والوقت، والأكثر عملية للمربي، ولكنها تحتاج ثلاثة شروط لتجني ثمارها.

أولاً: أن يكون لديك قيم واضحة الأهمية في حياتك.

 ثانياً: أن تكون شديد الحرص على ممارسة تلك القيم وتطبيقها في حياتك، فتكون من سمات شخصيتك لا تقبل العيش بدونها؛ فكيف للأب القاطع لرحمه أن يربي ابنه علي حب إخوته، وحسن معاملتهم والصبر عليهم إن أساءوا إليه؟

ثالثاً: مدى دفء العلاقة بينك وبين أبناءك هو ما يحدد سرعة اقتدائهم بك، فكن حريصاً علي زيادة رصيد الحب في قلوبهم.

     فعلى سبيل المثال: حتى تغرس في أبنائك حب الصلاة بالقدوة، فمن الواجب عليك أن تكون واعيا لقيمتها، ومتأصل في نفسك تفضيلها على سائر أعمال يومك، وتهتم بالصلاة على وقتها، مع الترديد على مسامعهم من وقت لآخر: أن الصلاة هي أحب الأعمال إليك، وهي سبب البركة في حياتك - بدون المبالغة في لفت انتباههم لما تفعله- وادعهم برفق ليصلوا معك، كما يمكنك ربط الصلاة بعادة يحبونها؛ كأن تذكروا الله بعد الصلاة سوياً، أو تقص عليهم جزء من سيرة الرسول صلي الله عليه وسلم أو ما شابه من عادات تشتركوا في أداءها.

      من المؤكد أن غرس القيمة، ليست بالأمر السهل الهين، ولكن مع الاستعانة بالله، ووضع أهدافنا نصب أعيننا بأن كل ما نبذله من أجل أن ننشئ أشخاصاً لهم مبادئ قوية تحميهم من الفتن، وتدعمهم لبناء مجتمع صالح، تسوده الأخلاق الطيبة اتفاقا مع الحكمة القديمة التي تقول: "ازرع قيمة تحصد سلوكا، ازرع سلوكا تحصد عادة، ازرع عادة تحصد شخصية، ازرع شخصية تحصد مصيراً طيباً".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجلة الأسرة

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...