خولة بنت ثعلبة وتحري الأحكام الشرعية

وجوه وأعلام
29 - ربيع الآخر - 1439 هـ| 17 - يناير - 2018


1

قال الله تعالى: "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ"(المجادلة: 1).

 

نزلت هذه الآية الكريمة في الصحابية الجليلة، خولة بنت ثعلبة. وقيل: خولة بنت حكيم، لكن أكثر الروايات تقول: إنها خولة بنت مالك بن ثعلبة بن أصرم بن فهر بن ثعلبة، وهي من ربات الفصاحة والبلاغة والجمال، وصاحبة النسب الرفيع، وزوجها هو أوس بن الصامت، أخو عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنهما ـ؛ وهو ممن شهدوا بدراً وأحداً، وشهد أغلب الغزوات مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنجبت منه زوجته خولة ولدهما الربيع بن أوس.

 

كانت رضي الله عنها تتسم بالتقوى والخوف من الله، وتحري الأحكام الشرعية، ولها مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ موقف مشهور، يتجلى فيه قمة التأدب مع الرسول، والمراقبة، والخوف من الله عز وجل.

 

ففي ذات يوم: حدث شجار بينها وبين زوجها كما يحدث بين أي زوجين، ولم يستطع أي أحد منهما تداركه، فقال لها أوس: أنت عليَّ كظهر أمي. فقالت: والله لقد تكلمت بكلام عظيم، ما أدري مبلغه.

 

ومظاهرة الزوج لزوجته تعني: أن يحرمها على نفسه، وبذلك القسم يكون قد تهدم البيت الذي جمعهما سنين طويلة، وتشتت الحب والرضا اللذين كانا ينعمان بهما.

 

وبعد هذا القسم، أراد زوجها أن يجامعها فرفضت خوفا من الوقوع في الحرمة بعد الظهار الذي تلفظ به، وأرادت أن تعرف الحكم الشرعي فيما قاله زوجها؛ وفي ذلك واقعة مشهورة، ترويها كتب السير فعن خولة بنت ثعلبة قالت: فيَّ والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة. قالت: كنت عنده وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقه.

 

قالت: فدخل عليَّ يومًا، فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت عليَّ كظهر أمي. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليَّ فإذا هو يريدني عن نفسي. قالت: قلت: كلا والذي نفس خولة بيده، لا تخلص إليَّ وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه.

 

قالت: فواثبني فامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني. قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابًا، ثم خرجت حتى جئت إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت منه، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه.

 

قالت: فجعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، يقول: "يا خويلة، ابن عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه". قالت: فوالله ما برحت حتى نزل فيَّ قرآن، فتغشى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما كان يتغشاه، ثم سري عنه، فقال لي:"يا خويلة، قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآنًا. ثم قرأ عليَّ:

 "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (المجادلة: 1-4).

 

قالت: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مريه فليعتق رقبة". قالت: فقلت يا رسول الله، ما عنده ما يعتق. قال: "فليصم شهرين متتابعين". قالت: فقلت: والله إنه لشيخ كبير، ما به من صيام. قال: "فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر". قالت: فقلت: والله يا رسول الله، ما ذاك عنده. قالت: فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "فإنا سنعينه بعرق من تمر". قالت: فقلت يا رسول الله، وأنا سأعينه بعرق آخر. قال: "قد أصبت وأحسنت، فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرًا". قالت: ففعلت"(الحديث رواه أحمد وغيره وصححه ابن حجر وغيره).

 

هذه الحادثة أظهرت حرص خولة ـ رضي الله عنها ـ في الامتناع عن معاشرة زوجها بعد أن قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي؛ وضرورة معرفة حكم الدين في هذه القضية.

 

كما أنها أظهرت حرصها على مستقبل وتماسك أسرتها، يتجلى ذلك في قولها: "إن أوْسًا ظَاهَرَ مني، وإنا إن افترقنا هلكنا، وقد نثرت بطني منه، وقدمت صحبته".

 

وأظهرت رأيها السديد في رفع الأمر إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، الذي بيده الأمر، ولولا رجاحة عقل خولة، وحكمة تصرفها، وقوة رأيها لقعدت في بيتها تجتر الهموم حتى تهلك هي وأسرتها، ولما كانت سببًا في نزول تشريع عظيم يشملها ويشمل المسلمين والمسلمات جميعًا إلى يوم القيامة. وهذا التشريع العظيم هو: حل مشكلة الظهار.

 

إن أمثال خولة بنت ثعلبة، لم يتوقف الرواة أمام تاريخ ميلادها ووفاتها، وإنما أثبتوا موقفها الذي حفظ لها مكانة مرموقة في تاريخ الفقه الإسلامي، في حل مشكلة الظهار، كما توقفوا أمام أقوالها التي تثبت شجاعة ورجاحة عقل المرأة المسلمة.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

ـ موسوعة ويكبيديا.

ـ قصة الإسلام.

ـ المحجة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...