خيرية الأمة تبدأ من قيمها

كتاب لها
26 - شوال - 1437 هـ| 01 - أغسطس - 2016


1

لا يسع أحد من الناس أن ينكر مقدار ما بلغته أمة الإسلام من تأخر، وابتعاد هائل عن قيم الاستخلاف التي كانت راسخة في عهود الإسلام الأولى، لكن ما يماري فيه الكثيرون ويزداد جدالهم ونقاشهم فيه هو الأسباب الجوهرية وراء هذا التراجع والتأخر، بحيث يمكنك أن ترى وتسمع بكل سهولة أصنافًا من التأويلات والتفسيرات التي تقترب حينًا من الصواب، لكنها في أحايين كثيرة تنحرف عنه أو تشوه مضمونه. لكن، هل يتفق المسلمون الآن على أنهم خير الأمم؟

لا أعتقد ذلك، ولا أفكر في مناقشة أسبابه، وإنما ما أود طرحه في هذا الشأن هو إعادة التفكير في الأسباب الداعية إلى الإيمان بأننا خير أمة، وأثر هذا التفكير في بلورة مفاهيم جديدة تعين على فهم محل هذه الخيرية من الإعراب، وصياغة علاقة جديدة أرقى مع أنفسنا ومع إسلامنا ومع العالم.

بداية، كان من حق القرون الأولى من المسلمين ألا تقف طويلًا أمام قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ)آل عمران110؛ وذلك لأن هذه الآية كانت تعبيرًا عن واقعهم بعد إسلامهم وتأكيدًا عليه من جهة، ومن جهة أخرى لأنهم كانوا الجماعة المؤمنة الوحيدة على سطح الأرض، وما عداهم إما أديان غلب عليها التحريف، أو أقوام لا يعبدون الله أصلًا، وكلٌّ قد اتخذ من هواه وما أمرَه به إلهًا له.

أما القرون التالية لهم، فقد رأينا أنها مرت بفترات منها ما نفخر ونعتز بها، ومنها ما لا يثير فينا إلا الحزن والأسف، لكن الملاحظة الجديرة بالانتباه في ذلك كانت أن كل عودة إلى قيم القرون الأولى كانت سرعان ما ترقى بالأمة إلى آفاق عالية من الانتصارات الباهرة، والنهضة الشاملة، والخيرية الحقة.

«لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»، أو «شرط الخيرية هو مدى ـ أو استمرار ـ التزام المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان الصادق بالله»... إلخ عبارات تتردد ونحفظها، وعلى الرغم من أنها في مجملها صحيحة، إلا أننا لا نرى تغيُّرًا في حال الأمة للأفضل أو نهوضًا، بل ربما وجدنا مزيدًا من الانحدار والانحطاط، فما السبب؟

هل ما ينقصنا هو وجود خليفة يجمع قيادة المسلمين في يده؟ قد مرت فترات كثيرة بالأمة كان يحكمها خليفة واحد، وعانى المسلمون فيها أشد المعاناة، وارتكب بعض هؤلاء الخلفاء من المخازي وسفك الدماء ما لا يكاد يُصدَّق. وهذا لا يعني التقليل من أهمية وحدة المسلمين، ووحدة قيادتهم.

هل ما ينقصنا هو مزيد من الالتزام بشعائر العبادات أو ترك المنكرات؟ فقد حدث من الفتن في خير القرون وبين ظهراني الصحابة ما يجعل هذا الحل محل عدم اتفاق. وهذا لا ينفي وجوب هذا الالتزام وأهميته.

إذن فالانسحاب الحضاري لأمة الإسلام عالميًّا لا يحمله سبب واحد ولا اثنان ـ وهو انسحاب قيمي قبل أن يكون شكليًّا أو تعبديًّا ـ وحتى مع اعتبار الفترات الحرجة في حياة أمتنا كانت استثنائية، أو فترات ابتلاء وتمحيص، أو قدرًا كُتب عليها، فهل واجبنا هو استمرار البكاء على الأطلال، أم النهوض ورؤية مكامن القصور والخطأ لاستدراكها وتلافيها، ومن ثم الانطلاق إلى الخيرية التي نحن أولى العالمين بها؟ وفي كتاب ربنا من قيم الاستخلاف ما لو أخذنا به لحققنا خيريتنا، وهي القيم التي يحملها لفظ «خليفة» في الآيات التي تحدثت عن بدء الخلق في رحمها، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)البقرة30 إذن فأنت لست إنسانًا فقط، أنت الخليفة.

هذه القيم، قيم الاستخلاف، هي المعيار الذي جعل واحدًا من مشاهير علماء المسلمين في القرن العشرين يقول بعد عودته إلى بلاده بعد فترة قضاها في فرنسا: لقد رأيت في فرنسا إسلامًا بلا مسلمين، ورأيت في بلادي مسلمين بلا إسلام.

وبغض النظر عن الاتفاق مع هذه العبارة أو الاختلاف، كيف نستفيد منها؟

تبين هذه العبارة بوضوح أن نهوض الأمم وتطورها وتقدمها هو عين ما يريده الإسلام للناس، وأن التأخر والتخلف والكسل والجهل مما يمقته الإسلام ويزدريه، وأن قيمًا مثل العدالة والمساواة وتقدير العلم والحريات، التي رآها هذا العالم في فرنسا أو غيرها من البلاد الغربية، كان الإسلام أول مَن دعا لها وجاهد في سبيلها ورسخها، هذه القيم هي التي بها فتح المسلمون العالم، وبانحسارها من حياة المسلمين تراجع أكثرهم عن منصة الخيرية، وتباعدوا عن مصاف الأمم المتحضرة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...