دروس رمضانية ذات دلالات تربوية

عالم الأسرة » همسات
08 - رمضان - 1439 هـ| 23 - مايو - 2018


1

هل الصيام فمرحبا بقدومه      بقدوم شهر وافر البركات

     نحمد لله أن أظلنا شهر الخير والبركات، شهر القرآن، وليلة القدر، وقيام الليل، ومضاعفة الأجر، شهر التوبة والاستغفار، وتجديد الحياة الإيمانية، شهر الجلوس على مائدة الإفطار، ترتفع فيها الأكف داعية الله تعالى قبول العمل، شهر الإحساس بالجوع والعطش تضامنا مع الفقراء والمساكين. شهر كبح جماح الشهوة، ولجم الهوى، شهر بركة السحور.

     الخواطر كثيرة في رمضان: في هذا الشهر يتّذكر المسلمون أنهم أمة متفردة في هذه العبادة، فلم يعد في الدنيا من يمارسها على النهج الصحيح إلا هم، على الرغم من أنها عبادة مَن قبلنا؛ لذلك فهم يحيون بقيمة عظيمة في نفوسهم، وهي أنهم خير أمة أخرجت للناس؛ فعليهم مهمة تربية الناس على منهج الإسلام.

      لا يخطر على بال المسلم في هذا الشهر، إلا جني التقوى وثمراتها، حيث هي الغاية من الصوم فهو: أي الصوم فيه تحقيق لمقام العبودية أكثر من أية فريضة أخرى فهو: سر بين العبد والحق تبارك وتعالى. وهل هناك من عبادة تربي المسلم على الصبر، والانتصار على شهوات النفس أكثر من الصيام؛ إذ الصيام جُنة. فهو أي الصائم يحيا في أجواء التقوى في حياته، فلا يصدر عنه إلا كل خير؛ فلا رفث ولا صخب ولا سباب ولا شتائم ولا قتال؛ إنها ثمرات تربية الصوم.

     هل هناك مدرسة تعنى بالقيم والمبادئ، وترسيخ عرى الإيمان مثل مدرسة الصوم. وهل هناك مدرسة منهجها يتمتع بالثبات والوضوح، وعمق الجذور الضاربة في أعماق التاريخ سوى مدرسة الصوم؟!

     الحيوان لا يصوم ولم يفرض عليه، مما يدل على أن هذه الفريضة تكريم للبشر وتمييز لهم عن سائر الخلائق تعزز خلق الإرادة، والقدرة على الاختيار.   

     إن جلوس الأسرة على مائدة الإفطار في جو روحاني لا يعرف مذاقه إلا من صام رمضان، ثم إن ارتفاع صوت المؤذن يُؤْذِنُ بالفطور، فتمتد الأيدي لتناول تمرات أو شربة ماء، وقد لهجت الألسنة بالدعاء تطلب من الله القبول، وهي ضارعة خاشعة يملأ الإيمان أقطار النفس؛ ثم يؤدي المسلم الصلاة؛ إنها تدريبات روحانية تربي في الصائم إحساس على أنه ملاك في صورة بشر، يعبد الله تعالى بعيدا عن عثرات النفس وشهواتها وأهوائها التي حصنها الصوم، حتى صارت تشبه ملائكة الرحمن في هذا الجانب.

     وفي القيام، وعلى السحور، ثم شهود صلاة الفجر: دلالات تربوية غالية الثمن لكن الصائم يحصل عليها بقليل من الجهد. فها هو ينتفض من فراشه مقتديا بسنة نبوية تدل على حرصه على الاتباع، وانتصاره على شهوة الراحة وتلبية رغبات الجسد؛ فهو يتوجه إلى بيت الله تعالى مصليا في جو أخوي جماعي اجتماعي، لا تقدر قوانين الأرض كلها أن تجبر الناس على القيام بها، ولكن المسلم يقوم بها طوعا ورغبة في ثواب الله تعالى، وطلبا لرضاه.

     وتمضي أيام رمضان، وقد يشعر المسلم بجهد وتعب إذا دخلت العشر الأواخر، فهو يوقظ أهله، ويشد مئزره، ويستعد لنوع آخر من العبادة وهي صلاة التهجد، والاعتكاف فهو يريد زيادة الأجر والرقي في درجات الجنة يستشرف الآتي، فهو يحلم حلما قد يتحقق على أن يكون مع الأنبياء والصالحين، ومن أنعم الله عليهم من ذرية آدم والصديقين وحسن أولئك رفيقا.

     ألا ما أجمل أيام رمضان، فالمؤمن عندما تأزف أيامه على الانتهاء: يشعر بحنين فريد لانصرام أيام رمضان بسرعة، بعد أن يحس بشيء من التعب في أثناء الصوم، وهذا سر من أسرار الصوم والحج.

     الحديث عن الدلالات التربوية لشهر الصوم كثيرة، ولعلي قد وفيت بعضا منها، وأختم المقال ببعض الأحاديث المفيدة عن الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم.    

وهذه جملة من النصوص التي تبين حقيقة الصوم:

     روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ، وَلا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ, وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصِيَامِهِ"متفق عليه.

عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: قَالَ جَابِرٌ: إذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ، عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَآثِمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَيَوْمَ صِيَامِكَ سَوَاءً "رواه ابن أبي شيبة، والحاكم في معرفة علوم الحديث، وضعفه وهو أثر معناه صحيح، ولكن سنده ضعيف لأن سلمان بن موسى لم يسمع من جابر بن عبد الله.

وعن أبي ذر رضي الله عنه: "إذا صمت فتحفظ ما استطعت". وكان طليق ابن قيس إذا كان يوم صيامه دخل، فلم يخرج إلا إلى صلاة، وكان أبو هريرة وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد وقالوا: نطهر صيامنا.

      فهؤلاء من الصحابة يرون بطلان الصوم بالمعاصي؛ لأنهم خصوا الصوم باجتنابها، وإن كانت حرامًا على المفطر أيضًا، فلو كان الصيام تامًا بها، ما كان لتخصيصهم الصوم بالنهي عنها معنى، ولا يُعرَف لهم مخالف من الصحابة رضي الله عنهم.

     ويؤيد هذا ما روي عن بعض السلف الصالح، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: "لَيْسَ الصِّيَامُ مِنْ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ وَحْدَهُ‏;‏ وَلَكِنَّهُ مِنْ الْكَذِبِ‏,‏ وَالْبَاطِلِ وَاللَّغْوِ".

      عن ميمون بن مهران: "إن أهون الصوم ترك الطعام والشراب"، وعن النخعي: "كانوا يقولون: الكذب يفطر الصائم".

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...