دروس مستقاة من صمود الشعب العراقي

كتاب لها
27 - محرم - 1424 هـ| 31 - مارس - 2003


إنَّ المتأمل في ما يتعرض له العراق من هجمة شرسة وحرب ضارية مدمرة من قبل أكبر قوة عظمى في العالم تساندها بريطانيا وأستراليا وهولندا ودول أخرى، جاءت إلى منطقة الخليج بأكثر من ألف ومئتي طائرة، ومئات الدبابات وحوالي ثلاثمئة ألف جندي لقتال شعب العراق المحاصر أكثر من اثني عشر عاماً، وقد حُظِر عليه السلاح والدواء، بل دمر بعض سلاحه من قبل لجان التفتيش، لتجاوز هذا السلاح المساحة المحددة له بخمسة عشر كيلو متراً، مع علم الجميع بأنَّ أمريكا سوف تشن الحرب على العراق، بكامل قوتها وما تملكه من أسلحة فتَّاكة وأسلحة الدمار الشامل، وقد أعلن أنَّه سوف يستخدم اليورانيوم المنضَّب. ورغم تعرَّض المدنيين في العراق إلى قصف مركز، ذهب ضحيته مئات القتلى وآلاف الجرحى؛ نجد أنَّ الشعب العراقي بكل فئاته على اختلاف توجهاته يقفون جبهة واحدة صامدة ومتضامنة متلاحمة  في وجه هذا الغزو الاستعماري الذي يرتدي رداء الحرية ملطخاً هذا الرداء بدماء النساء والأطفال والشيوخ الذي يسقطون كل يوم جراء قنابل وصواريخ دعاة تحرير الشعب العراقي.

 إنَّ الشعب العراقي شعب مؤمن قوي صامد ثابت شجاع، لم تُرهبه هذه القوى العظمى بكل ما تملك من أسلحة فتَّاكة، وتكنولوجيا عسكرية متطورة، ورغم تعرض مدنه وقراه إلى قصف مكثف، ورغم أنَّ العدو أعلن أنه سوف يستخدم اليورانيوم المنضب الذي يعد من أسلحة الدمار الشامل، والذي يسبب أمراضاً خطيرة منها السرطان، والمناطق التي تلوث بإشعاعه تقضى مظاهر الحياة فيها  أربعة بلايين ونصف بليون سنة إن لم تنظف من آثاره، ورغم أنَّ قوات التحالف أعلنت أنَّها لن تكون الحرب نظيفة ابتداءً من يوم السبت، ورغم تشديد قوات التحالف من قصفها للمناطق المدنية كلما واجهات مقاومة في ميدان القتال، وحصلت خسائر في العدد والعتاد، ورغم أنَّ الخبراء العسكريين يتوقعون أنَّ الإدارة الأمريكية سوف تستخدم سلاحاً نووياً لتحقيق النصر، ولن ترضى أن تكون نتائج الحرب ليست في صالحها، ورغم انقطاع الكهرباء والماء من البصرة لعدة أيام، وتعطيل قوات التحالف محاولة إصلاحها من قبل المهندسين العراقيين...

 رغم كل هذا لم نجد عراقياً واحداً، وامرأة عراقية واحدة، وأسرة عراقية واحدة خرجت من بلادها لاجئة إلى المخيمات التي أُعدِّت للاجئين العراقيين على الحدود الأردنية أو السورية أو الإيرانية، في حين نجد مناطق أخرى ما إن تتعرض بلادها  إلى غزو إلاَّ ونجد مئات الألوف من اللاجئين، وكانت المنظمات الدولية تتوقع خروج أربعة ملايين لاجئ عراقي. كل هذا يبين لنا مدى إيمان هذا الشعب بالله، ومدى حبه لأرضه وتمسكه بها، ومدى عزة وإباء هذا الشعب الذي يفضل أن يموت في أرضه ويدفن في ثراها معززاً مكرماً على أن يكون لاجئاً يعيش في مخيمات، وعلى صدقات الآخرين.

أي عز وإباء يتمتع به الإنسان العراقي  !!

أي إيمان يتحلى به هذا الشعب المعلِّم لكل شعوب العالم!!

أية شجاعة يتحلى بها هذا الشعب الأسطورة!!

أي تلاحم وثبات وتماسك يتمتع به هذا الشعب الذي سطر لنا ملاحم في قتاله لأكبر قوة في العالم وحلفائها، ومن قبل سطَّر لنا ملاحم في صموده وهو تحت وطأة حصار بلغ ثلاثة عشر عاماً!!

إنَّ شعباً كهذا لن يُهزم بإذن الله، شعب شعاره الله أكبر، شعب يردد في المساجد التكبيرات عندما يتعرض لكل غارة، شعب يتلو آيات من القرآن الكريم، والشهادة قبل خلوده إلى النوم، وهو متوقع أنَّ تلك الليلة هي آخر ليلة في حياته، فهو يتوقع الموت في أية لحظة!!

 تحية صادقة لهذا الشعب المؤمن العظيم البطل الشجاع الصابر الثابت المناضل.. وقد علَّمنا دروساً في الإيمان والصبر والثبات والشجاعة والعزة والأنفة رفضاً للاستعمار والاحتلال.

كما علَّمنا درس الثبات في أرضنا والبقاء فيها حتى الموت، وعدم تركها للعدو ليهجر إليها من يريد، وكلنا يعرف المخطط الصهيوالأمريكي فيما يتعلق بتهجير الفلسطينيين إلى العراق، وتحويل مياه دجلة والفرات إلى إسرائيل، والشعب العراقي شعب واع ومثقف، وهو متمسك بتراب أرضه حتى الموت.

كما علَّمنا درس وجوب التدريب على حمل السلاح، ووجوب فرض التجنيد الإجباري على الشباب، ولابد من تعليم النساء كيف يستعملن السلاح ليستطعن الدفاع عن أنفسهن وعن أعراضهن وعن بلادهن إن تعرضت بلادهن لأي غزو فالصحابيات الجليلات ـ رضوان الله عليهن ـ كن يجدن الرماية و ركوب الخيل، واستخدام السيوف، وهي أدوات القتال آنذاك، وكن يشاركن في القتال، مثل الصحابية الجليلة "نُسيبة بنت كعب" الأنصارية (أم عمارة) التي حاربت في غزوة أحد دفاعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جرحت جراحاً لم تشف منها إلاَّ بعد عام، وقاتلت في حروب الردة حتى فقدت إحدى ذراعيها، وكانت إلى جانب ذلك تقوم بتمريض جراح الجرحى، فهي أول ممرضة في الإسلام، كما كانت "خولة بنت الأزور الكندي" من ربَّات الشجاعة والفروسية، خرجت مع أخيها "ضِرار بن الأزور" إلى الشام وأظهرت في الوقعات التي دارت رحاها بين العرب والروم بسالة فائقة خلّد التاريخ اسمها في سجل الأبطال البواسل، وعندما أسر الروم أخاها ضراراً أخذت تقاتل الروم كأشجع الفرسان، وكانت تضع لثاماً، فقال خالد: ليت شعري من هذا الفارس؟ وأيم الله إنَّه لفارس شجاع، ثمَّ أتبعه خالد والناس، وكان هذا الفارس أسبق إلى المشركين، فحمل على عساكر الروم كأنَّه النار المحرقة فزعزع كتائبهم وحطَّم مواكبهم، ثُمَّ غاب في وسطهم، فما كانت إلاًَّ جولة الجائل حتى خرج وسنانه ملطخ بالدماء من الروم، وقد قتل رجالاً وجنَّدل أبطالاً، وقد عرَّض نفسه للهلاك، ثمَّ اخترق القوم غير مكترث بهم ولا خائف، وعطف على كراديس الروم، فقلق عليه المسلمون، وقال "رافع بن عُميرة": ليس هذا الفارس إلاَّ خالد بن الوليد، ثُمَّ أشرف خالد عليهم. فقال رافع: من الفارس الذي تقدَّم أمامك، فلقد بذل نفسه ومهجته؟!

والأمثلة كثيرة، وقد طالبتُ منذ ربع قرن، وأكثر من مرة، بفرض التجنيد الإجباري في دول الخليج العربي؛ فهو مطمع للطامعين، وها هي الأطماع قد اتضحت فقد أفصح عنها الطامعون، والأنكى من هذا أن العدو ينفرد بكل بلد على حدة، وبقية الدول العربية والإسلامية تقف موقف المتفرج، بل هناك منها من يساعد العدو عليك، واتفاقية الدفاع المشترك يعلوها التراب في أحد أرفف أرشيف جامعة الدول العربية!

 فعلى كل بلد عربي أن يهيئ شعبه للقتال بمفرده إن تعرَّض إلى غزو أجنبي؛ لذا فهو في حاجة إلى تجنيد كل فرد من أفراد شعبه قادر على حمل السلاح، وإن كان عدد السكان قليلا فهو في أمس حاجة إلى تجنيد النساء أيضاً.

وتحية صادقة مني للمرأة العراقية المحافظة على دينها المتمسكة بحجابها التي أحسنت تربية أبنائها وبناتها مقدمة هؤلاء الأبطال المؤمنين الصامدين المجاهدين الشجعان، وطوبى لشهداء العراق وفلسطين، وأعز الله الأمة الإسلامية وأيدها بنصر من عنده!

وتحية خاصة إلى البطلة "ميسون حميد عبد الله" التي دمّرت دبابة أمريكية.

وعـار على كل أم أنجبت الخونة والمتآمرين على دينهم وأمتهم وأوطانهم.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...