دماء علي أستار المودة والرحمة

عالم الأسرة » هي وهو
17 - شوال - 1424 هـ| 12 - ديسمبر - 2003


دماء علي أستار المودة والرحمة

           عبد الرحمن أبو عوف

   

 شرع الله الزواج وجعل أساسه المودة والرحمة من خلال زوجين متحابين ، يسعى كلاهما لدعم وإنجاح الحياة الزوجية ،  فإذا نشبت المشاكل وتوترت العلاقات فليس هناك إلا أحد طريقين : إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان إذا أصبح دوام العشرة مستحيلا ، وفي الحالين لابد أن تسير الأمور في هدوء وفقا لمقتضيات المعروف والإحسان.

 

لكننا نلاحظ في أيامنا هذه ظاهرة غريبة على المجتمع المسلم وهي انتشار ظاهرة العنف بين طرفي العلاقة الزوجية ، التي وصلت إلى حد تخلص أحد الزوجين من شريكه بالقتل أوبإصابته بعاهة مستديمة !! وكان من بين تلك الجرائم الشنعاء قيام أحد الأزواج بقتل زوجته وعشيقها وأبنائهما الخمسة بعد شكه في سلوكها واعترافها له بممارسة الزنا مع عشيقها ، لكن الطامة الكبرى أنه  قتل أولاده بدعوى خوفه عليهم من التشرد بعد سجنه ..

 

والجرائم متعددة : فهذه الزوجة تدس السم لزوجها ، وأخرى تطعنه وهو نائم ولا تتركه إلا قتيلا .. والتساؤل الذي يطرح نفسه هل إقدام الزوج على استخدام العنف  مع زوجته أو العكس يعود إلى أسباب اجتماعية أم اقتصادية ؟ أم يعود إلى يأسه من إصلاح الأحوال معها ووصول العلاقات إلى طريق مسدود ؟ وماهي أسباب انتشار ظاهرة العنف الأسري ؟ وكيف تعود العلاقة الزوجية إلي واحة المودة والرحمة  ؟

 

 تساؤلات عديدة يجيب عليها علماء الإسلام والاجتماع في التحقيق التالي :

 

·    تعطيــــــــــل

يقول الدكتور يحيي إسماعيل أستاذ الحديث بكلية أصول الدين – جامعة الأزهر : الأصل في الحياة الزوجية أن تكون مبنية على المودة والرحمة ،  يقول الحق سبحانه وتعالى : " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة " ، وهذه المودة وهذه الرحمة لا تتحقق إلا بالتلطف في أداء الواجبات وطلب الحقوق وهذا أمر لا يتم إلا على أيدي المؤمنين " وهم قليلون " !

 

ولأسباب كثيرة يقصر بعض الزوجات والأزواج في أداء ما عليهم من واجبات وبلا حياء يطلب الحقوق كاملة غير منقوصة وبطبيعة الحال يعاني الطرفان ، وبدلا من اللجوء للشرع يلجأ الطرفان إلى وسائل غير مشروعة لتحقيق مطالبهما ،  كما أن ضغوط الحياة الاقتصادية التي يعاني الجميع منها بالإضافة إلى ضعف الوازع الديني أمر يجعل التفاهم بين الطرفين في منتهى الصعوبة.

 

·    عـــــــــلاج

     ويشير الدكتور إسماعيل إلى أن القرآن الكريم يلفت نظر الزوجين إلى العلاج  الناجح الذي لا يترك شيئا من العواقب الوخيمة فقال مخاطبا الأزواج " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا " .

 

ويضيف الدكتور إسماعيل : إن الاعتداءات المتبادلة بين الزوجين تمثل خروجا على القيم والأخلاق وهذا يرجع إلى عدم الفهم الصحيح للإسلام وعدم فهم كل من الزوجين لحقوق الأخر .

 

وأيضا قد يكون السبب في هذه الظاهرة عدم الثقة بين الزوجين وتسابق الشباب علي  الزواج من ذات المال والجمال دون النظر إلى الدين والأخلاق ويقول النبي صلى الله عليه وسلم " : إياكم وخضراء الدمن ، قالوا من يا رســـول الله : قال المرأة الحسناء في المنبت السوء " .

 

 فعلى كل من الزوجين وخصوصا الزوجة عدم المغالاة في متطلباتها وإرهاق الزوج ماليا وعدم تكليفه بما لا يطيق اجتماعيا لأن ذلك يجعله يستشيط غضبا ويحول الحياة إلى جحيم .

 

فهذه مراحل أربع لعلاج نشوز بعض الزوجات ومن سار عليها بنفس ترتيب النص القرآني بنية الإصلاح هداه الله إليه ، "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " .

 

كما خاطب القرآن الكريم أولياء أمور الزوجات يقول الله تعالى " وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وقوله أيضا " لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها " .

 

ويؤكد الدكتور إسماعيل إن السبب الجوهري في انتشار هذه الجرائم وانتشار العنف في محيط الأسرة هو تعطيل الحدود الشرعية من زمن بعيد والدليل على ذلك أنه يوم أن كانت الأمة قائمة علي أمر الله لم تكن تسمع عن هذه الجرائم أو سريان العنف في الأسرة ، زوج يضرب زوجته بباجور الجاز ، وأخرى تصيب زوجها بعاهة مستديمة !!

 

تشير تقارير معهد البحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة إلى أن معدل العنف بين الزوجين وصل إلى 32 % من الأسر المصرية 00 ولو عدنا إلى الهدي النبوي لاكتشفنا أنه خلال 23 عاما عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت حالات الخروج على الشريعة معدودة على أصابع اليد الواحدة من ذلك : المخزومية التي سرقت ، والغامدية التي زنت ، وكذلك ماعز الذي زنا ، وأبو محجن الثقفي الذي شرب الخمر .. أما الآن فإننا نرى مئات الجرائم في شارع واحد أو في حي واحد ويرجع ذلك إلى عدم إقامة الحدود في بعض البلاد الإسلامية !!

 

·    غيـــــــاب الوعــــي

 ويرجع الدكتور محمد عبد الله الشرقاوي الأستاذ بجامعة القاهرة انتشار العنف في الأسرة المصرية إلى : عدم إشاعة ونشر الفكر الإسلامي بين المسلمين ، وعدم توصيل هذا الفكر الذي يؤكد أن احترام الحياة الزوجية من المقدسات وأن تكون المعاملة بين الطرفين بالحسنى والمودة وإذا استحال ذلك فيكون الفراق بالمعروف وليس بالقتل والتخلص من الزوج أو الزوجة بطريقة إجرامية !

 

ويضيف الدكتور الشرقاوي : إن العوامل المادية ليست هي السبب في استشراء العنف في الأسرة إنما السبب الأساسي هو غياب الوعي الإسلامي وقلة التفقه في الدين ، فأحيانا يتم الزواج دون موافقة الزوجة وأحيانا يتزوج الرجل بالمرأة طمعا في المال أو الجاه ، وهذا يؤدي إلى سوء المعاشرة بين الزوجين وعدم مراعاة حقوقهم وينتج عن ذلك ما نراه من جرائم لا يتصورها مسلم وما كنا نتصور أن يحدث هذا في مجتمع إسلامي!

 

·    ضعف الـــــــوازع الديـــــــني

ويرى الدكتور / أحمد المجدوب الخبير الاجتماعي بمركز البحوث الاجتماعية والجنائية أن التغيير الاجتماعي السريع والتطور الاقتصادي وسيطرة القيم المادية في المجتمع جعلت التقاليد والأخلاق تتراجع باستمرار وتحل محلها عادات وأعراف تقدس المادة وتقدمها على ما عداها وأصبح الناس تحكم سلوكياتهم أسس مادية لصالح المرأة ولهذا تراجعت مكانة الرجل وفقد سلطانه ولم يعد السيد المطاع ولذا فقد لجأ إلى العنف لتأكيد سيطرته وأصبح العنف شعار الحياة الزوجية.

 

ويضيف الدكتور المجدوب أسبابا أخرى لهذه الظاهرة منها : ضعف الوازع الديني كما أن الأخلاق لم تعد موضع الاحترام والتقدير وتنشئة الأبناء على أهمية المادة فاختفى التواد والتراحم والتآزر والتعاون وأصبح ينظر إلى الزواج على أسس المال ولا ينظر إلى الأخلاق ، وعلى ذلك فقد أصبحت الحياة تتسم بالعنف والضرب والركل بين الزوجين وعلى أتفه الأسباب لدرجة أن 25 % : 35 % من الأسر المصرية أصبح التشاجر والعنف على أتفه الأسباب أهم سمات حياتها !!

 

·    اختـــــــــلال

ويشير الدكتور المجدوب إلى أن الموازين قد اختلت وأن العلاقات الاجتماعية قد  اضطربت وأن القناعة والرضا قد اختفت ؛ فالبحوث التي أجريت في هذا الشأن أكدت أن العنف والجريمة تحدث في الطبقات الدنيا في المجتمع وهي الفئات التي لا تستنكر الجريمة  كما أن العلاقة بين الزوج وزوجته لا تقوم على الاحترام ولهذا أثره المدمر على حياة الأبناء حيث يجعلهم معقدين ويسيطر التوتر على حياتهم ، فالعنف يحدث في الأسرة تحت ضغط نفسي وعصبي شديدين ويخطئ الزوجان عندما يعتقدان أن استمرار هذه الحياة العنيفة المضطربة أفضل من الطلاق 0

 

·          روشتة

ويقدم الدكتور محمد عبد المنعم البري الأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية رؤيـــة         للظاهرة مؤكدا أن ما يحدث من شقاق وعنف في بعض الأسر المسلمة ليست ظاهرة اجتماعية إنما خروج على جوهر الدين الذي نظم العلاقة بين أطراف الأسرة وجعلها تقوم على المودة والرحمة فإذا انعدمت المودة والرحمة فلن يكتب للعلاقة الزوجية البقاء .

 

 ويطرح د0 البري روشتة لحل هذه المشاكل عبر عدة نصائح منها للزوج عند الإقدام على الزواج بأن يتخير الزوجة الصالحة وأن يراقب الله في زوجته ويعاملها بالحسنى ويؤدي ما عليه من واجبات ويترفق في مطالبته بالحقوق عملا بوصية النبي استوصوا بالنساء خيرا 000 أما أن يقوم زوج بقتل زوجته وأولاده فهذا قاتل ارتكب جريمة شنعاء ولو كان لديه أي وعي أو فقه إسلامي ما أقدم على ذلك وعلى النساء كذلك أن يترفقن بالرجال حتى لا تتحول الحياة إلى ساحة مصارعة .

   



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- احمد سلاطين - مصر

27 - شوال - 1428 هـ| 08 - نوفمبر - 2007




جزاك الله عنا خيرا ويسر لك ورزققك عليك من حيث لاتحتسب ولكن هي الدنيا لاتعلم ماتخفي عنا وماتظهر ما لنا الا ان نعيش ثم نعيش ثم نأخذ بالاسباب

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...