ذُكران النحل لها أون لاين - موقع المرأة العربية

ذُكران النحل

كتاب لها
14 - جماد أول - 1440 هـ| 21 - يناير - 2019


1

 

حين تخرج النحلات النشيطات يتبعن روائح الرحيق وألوان الزهر لا تسمع حول الخلية إلا طنينهن، يدرن حولها، يتفقن على موعد الخروج واللقاء ثم ينصرفن بسرعة، ينتقلن من زهرة لأخرى ومن حقل لآخر مئات الكيلو مترات، بل آلاف.. وحين يعدن إلى الخلايا تبدأ رحلة العمل الدؤوب لصنع العسل، ينتقلن من حفيرة في الخلية إلى أخرى، ومن فجوة في جدارها إلى أخرى.. فئة من العاملات مهمتها جلب الرحيق، وأخرى وظيفتها استقبالهن، وأخرى لصنع العسل، وفئة منهن لرعاية الملكة والتخديم عليها، وأخرى لحضن البويضات ورعايتها... وتبقى فئة لا عمل لها سوى تلقيح الملكة.

هذه صورة لما يحدث كل ثانية في خلايا النحل، تذكرتها وأنا أستمتع لشكايات الكثير من النساء، أمهات وزوجات، بل وبنات، على حال أسرهن وأزواجهن وأولادهن حيث تشبه بيوتهن بيوتات النحل.

تنتحب واحدة بكلام مقطع.. بالكاد أستطيع أن أجمع حروفه عن زوج ذي مال إلا أن ماله لأصحابه، وذي فراغ إلا أن فراغه لأصحابه، وذي نشاط وهمة لكن كل ذلك مسخر لأصحابه، ينطلق كأسرع ما يكون ليصبح ويمسي في خدمتهم، ويتباطأ كأبطأ ما يكون عندما تكون الحاجة لأولاده وزوجته. تبكي وتقول: بعت كل ما أملك من ذهب لأصرف على بيتي. تزيد لوعتي إذا عرفت من نحن في المجتمع، استدنت لأشتري أغراضاً للثلاجة.. هل يصدق من يعرف رصيد زوجي؟

وأخرى: لا يعرفني إلا عند رغبته، يهمل مشاعري.. أحاسيسي.. لم أسمع منه كلمة مودة تؤلف بين قلبينا، إذا بادرت ركلني بعبارات الاستهزاء، وهو ما يجعلني أتراجع لدفن مشاعري، قلب متجمد لا تصهره رقة، ولا يتأثر بكلمة أو دمعة، استهزاء في خلواتي معه، استهزاء أمام الأولاد.. أريد أن ألملم بقايا شخصيتي أمام الشغالة..

لا تقولوا: هذه شخصيته؛ لأنه هو أمام زملائه كائن آخر!

وأخرى: تشتكي من حال أولادها مع الصلاة، أدفعهم للمسجد دفعاً، لكني لا أعرف هل يذهبون إليه أم لا؟! والدهم يذهب للمسجد.. لكن نفسي نفسي! لا تفوته ركعة واحدة، ولم يأمرهم يوماً، لم يشاركهم يوماً السير إلى المسجد.. هل ترين الحل أن ألبس عباءتي وأتبعهم كل فرض إلى المسجد ثم أعود بهم؟!

وأخرى تصرخ: أنا في ذمته، لكنه لا يعرف أولاده إلا يوم ولدتهم، وحين أعادنا إلى البيت من المستشفى افتقدته.. في نظره كل ذلك مسؤولية الأم. لا أقوى ولا أحتمل؛ المسؤوليات تعاظمت. وهو وإن وفر الاحتياجات، لكن التربية والمتابعة تحتاج تظافرنا جميعاً، بات الأولاد يغلبونني في كثير من الأمور، حقيقة لا أقوى على طلباتهم، بل حتى مشاغباتهم وصراعهم بعضهم مع بعض لم أعد أتمكن من وظيفة حكم يفرق بين صراعاتهم.

وأخرى تردد:  المراهقة، وما أدراك ما المراهقة! تحتاج إلى فريق كامل في المنزل يرعاهم ويعينهم. لا تقولي: أين والدهم؟ هو موجود، لكنه بالكاد يعرف اسم أولاده.

وأخرى متزوجة منذ أكثر من عشرين سنة.. موظفة: أعاني من عدم التوفيق بين مصالح البيت ومتطلبات العمل، أتمنى أن أتقاعد أو أستقيل، لكن زوجي يرفض، أتعلمين لماذا؟ لأني نحلة داخل البيت.. نحلة خارج البيت.. مأكولة من أعلى رأسي حتى أخمص قدمي، لا يبقى من راتبي نهاية الشهر ريال.

لم أندم أني أنفق راتبي كله في بيتي، فقد أحتسبه عند الله، ولكني أنفجر باكية إذا تذكرت أني أبذل جهدي ومالي ووقتي ولا أغطي نقصاً لغيري، ولن أوفي.. لن أوفي.

وأخرى: سهرة لأصحابه، وسهرة لزملائه، ودورية للحي، ودورة لأصدقاء الدراسة، وأيام يحب أن ينفرد فيها بنفسه، لا يحب إزعاج الأطفال.. أتصدقين ونحن نملك منزلاً أن يستأجر غرفة في الفندق ليتابع الفضائيات؟! ولأنه أب مرب يقول: أرفض أن يراني أبنائي وأنا أشاهد ما أشاهده!! حين يدخل الاستراحة يغلق الجوال؛ لأنه لا يريد إزعاجاً، وكثيراً ما يمرض أحد الأولاد فأحمله حتى أصل إلى الشارع الرئيسي لأركب سيارة أجرة وأعود.. ولم يدر من ذهب ومن مرض.

وأخيراً وليس آخرا: فلا يسع المقام لذكر هذه النماذج، ولكني تذكرت بيت النحل وبيوت كثير من الناس: ما وظيفة الزوج والأب والأخ إذا كنت المرأة تعمل نهاراً وتنشغل ليلاً فهي المنفقة إذا كانت موظفة، وهي التي تذلل نفسها للآخرين استجداءً إذا كانت لا تجد ما تصرفه على بيتها، وهي الأم، وهي الأب، وهي المربية، وهي التي تخاطب مدرسة أبنائها تسأل عن هذا وذاك من أبنائها، وهي التي تذهب إلى السوق مع السائق لتجلب احتياجات المنزل، وهي التي تذهب بالأولاد إلى المستشفى مع السائق أو بسيارة أجرة، وهي التي تتصدى لتربية أجيال مختلفة عن أجيالنا في تفكيرها وفي واقعها تحتاج إلى فريق تربية كامل.. فكيف بنساء لسن على درجة واحدة من الهمة والاهتمام.

يا بيوتات النحل.. إن لذة الحياة الأسرية: تشابك الأيدي للبناء..

ولذة الحياة الزوجية: تهامس القلوب للمودة..

ولذة التربية: أن تسقى بماء صاف من نبع واحد..

ولكن أني لهذه الأيدي أن تتشابك في ظل غياب الرفيق؟!

وإني لقلوب أن تتهامس وقد تضخمت بثانويات الحياة؟!

وأي سقاية وقد جف النبع وذبلت الزهور.. وعادت العاملات يلهثن ويلهثن.. وعندما نظرن لبيوتاتهن إذا الذكران قد اكتفين بتلقيح الملكة؟!

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...