رثاء أمي

عالم الأسرة » همسات
25 - شعبان - 1438 هـ| 22 - مايو - 2017


1

بني الحبيب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ليس عجباً يا بنيّ الحبيب أن يفجعك قلب أبيك بهذا الوجيب. ليس غريباً أيها الغالي أن تتصدع نفسي. وتتمزق خيوط شمسي، أليسَ كلّ هذا مفجعاً، وقد أصيبَ بأشجان الروح. وتئنّ أجزاؤه وتنوح؟! كيف لا ـ يا بنيّ ـ وقد رحلت جدتك الخاشعة الذاكرة. رحلت البارّة الصابرة؟! كيف لا، وقد رحلت أمي الحبيبة الغالية. رحلت عن دنيانا الفانية؟!

 ربّاه.. ربّاه.. ما أسرع أن تسافر أجسادنا إلى الموت! رباه إنا نموت فلا تهبنا الحياة الدنيا من متاع أو قوت! هكذا ما زلت أذكر حديثها كلمة كلمة!

(لا تحسبنّ العيش يصفو دائماً

يكفيك كيف تعانق السكرات

أيامنا تجري بنا لقبورنا

من لا يخافُ تعثر الخطوات؟!

نغترّ بالدنيا نسابق نبضها

يا ويلتى ليست سوى غرمات!) *

هكذا رحلت أمي بعد أن صلت المغرب، وهي تتشهد. تركتني ودمعي نازفٌ وأحوالي تتبدد! تركتنا وهي ترفعُ السبابة. والحزن قد أشرع فينا عبابه!

تركت جدتك دنيانا ـ يا بني ـ وكل يتامى الحيّ تبكيها، تركتنا والعجائز والأرامل تتحسر وترثيها! ها قد رحلت من كانت تصل أخوالنا وأعمامنا، وتجمعنا بأهلنا وإخواننا وأخواتنا! ترى من بعدها سيبرّ جيراننا وأحبابنا وأنسابنا؟! من يا ترى؟!

(أمي ولستُ أرى كأمي في الورى

لندائها أنا قائمٌ أترقب

إن المكارم تنتمي لجذورها

إن المديح بدونها لا يُكتب

هذي الجنانُ تفوح من أنفاسها

عطراً زكيا عابقاً يستعذب

إن مرت الأيام دون رضائها

فأنا إذاً ألهو بعمري ألعبُ

يا دُرّةً! قد كنتِ أعظم ناصح

لصغارها من نفسها تتهذب

كم عاد يشرق في محياكِ التقى

كم راح ليلك من دموعك يسكب

تربت يداي  فهل لنا من جنةٍ

إن لم نكن في برها نتقرب!)

أرأيتَ ـ بنيّ الحبيب ـ كيف ودعتنا جدتك التي كانت توقظنا مع نفحات السحر، لنشاركها الصلاة والدعاء في ليالي البرد والمطر؟! أرأيت كيف يفضي ابن آدم من متاع الدنيا إلى تراب وحفر؟. أرأيت: كيف رحلت من بيننا بدقائق وثوانٍ، لنصلي عليها، ونحملها بأيدينا إلى قبرها ـ رحمها الله -؟! أرأيت ـ بني ـ كيف نحتفي بأحبابنا، وأعز الناس في دنيا المتاع؟!

أماه.. أماه! أتغادرين أحبابك. وما زالت شقتك تشهد على ذكرك وتسبيحك وصلاتك ودعائك، وآهاتك في مرضك! إنني ما زلتُ أرى ـ أماه ـ مصحفك المجلل بالقماش المعطر، أتلمس فراشك وغطاءك وسجادتك! ما زلت أتلفت فأرى أوانيك، وثلاجتك بخضارها.. ما زلتُ أرى أوراقك.. وأشياءك الصغيرة الأثيرة!

رحلتِ، رحلتِ يا حبيبة القلب، وما زلتُ أشمّ رائحة البنّ "المحمص" بحرارة أنفاسك الزكية. رحلت أماه، ولم أزل أسمع إيقاع "مهباجك" الشعبي. أشعر بطعم قهوتك العربية الطيبة. رحلت رحلت أماه. وأنا أسأل الله أن تكوني راضية عني، وأن يعينني على برك بعد رحيلك، ويسكنك فسيح روضاته مع المتقين في جنات ونهر!

  • الأبيات الشعرية مختارة من ديواني الثاني "ياسمين الذاكرة".

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...