رجلان في البيت

عالم الأسرة » هي وهو
03 - شعبان - 1433 هـ| 23 - يونيو - 2012


1

قال تعالى: "وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون"  (الروم :21)

إن الزواج والعلاقة بين الزوج والزوجة آية من آيات الله التي تستوجب التفكير فيها، فكان ختام الآية {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.

وهذا يؤكد عمق وأهمية العلاقة الزوجية، فالزوجة سكن لزوجها، فهو يطمئن ويرتاح ويأنس لها ويسكن إليها، وبينهما المودة والرحمة، فتخيل البيت خال من المودة ومن الرحمة فكيف يكون حاله؟

لن يكون خال بل ممتلئ بروح الأنانية وحب الذات والشح والتكبر والتعالي، وحل الخلافات برفع الصوت، وكأن كل منهما يقول: أنا هنا وليذهب البيت للجحيم!!!

قال ابن القيم في روضة المحبين: وأمّا الودّ فهو خالص الحبّ وألطفه، وأرقّه وأصفاه، وهو من الحبّ بمنزلة الرأفة من الرحمة".

وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره للمودة والرحمة: "المودة هي: المحبة، والرحمة هي: الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد".

وما أجمل عبارات الظلال حين يقول: "والناس يعرفون مشاعرهم تجاه الجنس الأخر، وتشغل أعصابهم ومشاعرهم تلك الصلة بين الجنسين؛ وتدفع خطاهم وتحرك نشاطهم تلك المشاعر المختلفة الأنماط والاتجاهات بين الرجل والمرأة. ولكنهم قلما يتذكرون يد الله التي خلقت لهم من أنفسهم أزواجا، وأودعت نفوسهم هذه العواطف والمشاعر وجعلت في تلك الصلة سكنا للنفس والعصب وراحة للجسم والقلب واستقرارا للحياة والمعاش وأنسا للأرواح والضمائر واطمئنانا للرجل والمرأة على السواء. والتعبير القرآني اللطيف الرفيق يصور هذه العلاقة تصويرا موحيا وكأنما يلتقط الصورة من أعماق القلب وأغوار الحس: "لتسكنوا إليها".. "وجعل بينكم مودة ورحمة"..

"إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون".. فيدركون حكمة الخالق في خلق كل من الجنسين على نحو يجعله موافقا للآخر. ملبيا لحاجته الفطرية: نفسية وعقلية وجسدية. بحيث يجد عنده الراحة والطمأنينة والاستقرار؛ ويجدان في اجتماعهما السكن والاكتفاء والمودة والرحمة؛ لأن تركيبهما النفسي والعصبي والعضوي ملحوظ فيه تلبية رغائب كل منهما في الآخر، وائتلافهما وامتزاجهما في النهاية؛ لإنشاء حياة جديدة تتمثل في جيل جديد".

إن تربية الفتاة على الحياة الزوجية هي الأساس، وهي المسؤولية الكبرى لوالديها، فليست الحياة الزوجية مجرد إشباع للجسد.. بل حياة تقوم على التكامل وليس على التضاد، فليس الزوجة ندا للزوج أو خصما في حلبة البيت، وهذه هي  الطامة الكبرى التي ابتليت بها الكثير من بيوتنا.

 فلم تعد الزوجة تعرف معنى الزواج، ولم تعد تعرف كونها زوجة؟ ولم تعد تعرف معنى أن هناك زوجا يعيش معها في البيت؟

فهي تعرف نفسها فقط.. وأنها ند للزوج .. فكما يقول تقول.. وكما يعمل تعمل .. وتخاطبه دائما بعبارة (مثلي مثلك)، ( معي شهادة ومعك شهادة ما الفرق؟!) ، (أنت إنسان وأنا إنسان)، (ماذا ينقصني؟ رجل، يد ، عين ، أذن ، لسان ، أتكلم عن عشرة من امثالك).

وأصبح في البيت رجلان.. كل منهم قيّم على الآخر.. وكل منهما يدّعي له الأحقية في الأمر، وفي الكلام ، وفي العمل ، فاختل التوازن، وانهدم البيت على أصحابه وهم يتجادلون.

إن الزوجة التي تدخل عش الزوجية بهذه الصورة، ومن ثم تسير حياتها على هذا المنوال من الندية للزوج في كل شأن من شؤون الحياة، هي زوجة فاشلة، بل زوجة تحمل قنبلة نووية في جنباتها تدمر أسرتها بالكامل.

كما أن الزوج الذي يدخل عش الزوجية بدون أن يكون متسلحا بأخلاقيات الحياة الزوجية، ومن ثم تسير حياتهما بدون أن يكون قائدا لها، هو زوج فاشل، بل زوج يحمل الضياع وحمم البراكين التي تحرق اليابس والأخضر.

وأغلب أولئك الأزواج و أولات الزوجات ممن ابتعدن عن تعاليم الإسلام، وأصول الشريعة وفقه الواقع، فاستسلمت عقولهم وعقولهن لكل وافد غربي، وناعق في الإعلام بغير هدى، ولم يفهمن معنى تعليمهن واستكمال دراستهن، وكأن دراستهن هي معركة وتحدي بين المرأة والرجل. فرفضن قوامة الرجل، وكان القوامة عبودية، ولو تأملن في حياتهن بفطرة سليمة لوجدن أن القوامة شرف وتاج على رؤوسهن. بل إنهن ملكات على عروش أزواجهن.

إن الزوجة الناجحة في زواجها هي التي تجعل من زوجها سيدا لها، فتعطيه مكانته وتقدره وتجله، وتجعل له مكانة كبرى في حياتها متجاوبة مع تطلعاته وأفكاره ورغباته.

فالزوجة تعلم أن حق الزوج في طاعته المطلقة ما لم يأمرها في معصية.  وطاعتها له ليس فيه انتقاص لكرامتها وحريتها وإنسانيتها.

ولا يعني هذا أن يميل الميزان، فالرجل ذو القوامة مطالب أن يؤدي للزوجة ما عليه من واجبات تجاهها، وما عليه من حقوق لها، فيحبها مع التصريح لها بحبه، وهيامه بها ويحترمها ويسمع لها وينصت لحديثها ويأخذ برأيها إذا كان فيه الصواب ويراعي مشاعرها.

إن المرأة بلينها وعطفها وطواعيتها أشبه بالقوس في يد الرامي إذا شدها على الحبل استجابت وانحنت بدون أن تنكسر، وكلما زاد الانحناء كلما زادت عطفا ومحبة لزوجها.

والرجل بطبيعته المنطلقة في الحياة وجديته كالسهم المستقيم ينطلق قويا في الحياة الواسعة بعزم ليحقق الهدف.

وهكذا يكمل الزوجة والزوج بعضهما البعض، بعيدا عن التضاد والتكبر وصدق الله العظيم {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} (سورة التوبة : 71).

أي يتناصرون ويتعاضدون كما يقول أهل التفسير،  والمسلم والمسلمة من طبيعتهما التكافل والتناصر والتضامن والوحدة. ومن طبيعتهما الانتماء والاندماج والارتباط بهويتهما الإيمانية، فما بالك إذا كانا متزوجين، فالولاية بينهما تكون أشد.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
رجلان في البيت
-- ريحانة - البحرين

04 - شعبان - 1433 هـ| 24 - يونيو - 2012




مقال رائع جدا وفيه من الفوائد الشيء الكثير أسأل الله أن ينفعني والمسلمين به, لا سيما وقد تكاثرت صورة الرجلان في بيت واحد حتى أشغلت ذهني وآذتني .. قد تكون في هذه المقالات فائدة للأمة, حيث إن الأسرة هي عصب المجتمع وكيانه وفي صلاحها صلاح المجتمع وأمتنا الإسلامية ككل .. جزاكم الله خيرا

رجلان في البيت
-- - السعودية

04 - شعبان - 1433 هـ| 24 - يونيو - 2012




نشكر الأخ وائل بركات على مقالاته الأسرية وغيرها، فهي تدل على فهم سليم، وعرض مبسط، ورؤية إسلامية لحل المشكلات، وهكذا عهدته - في طروحاته وأفكاره - منذ نعومة أظفاره فتى ثم شابا ثم أبا قد سبق زمانه، فياليت فتيان الأمة وشبابها يصرفون جل أوقاتهم في القراءة النافعة، والعمل الصالح، والاهتمام بشؤون الأمة كهذا الشاب الذي عرفته صغيرا، فكان الكتاب لا ينزل من يده إلا في أوقات معينة، وكان يتكلم في قضايا فوق ما يتصور أقرانه والله ما قلت فيه هذا إلا تشجيعا لغيره بأن يكون مثله، فانا لا أخاف عليه من الثتاء، فهو أكبر من كلماتي فيه. أفلا يجوز أن يثني الأخ الكبير على أخيه الصغير إذا عمل عملا طيبا يحمد عليه؟ ألا فليسامحني أخي وائل على هذا التشبيه الذي فهت به، والغرض منه التوضيح كما يقول أهل البلاغة، ولا شيء سواه، وأنا أعترف أن الأخ وائل قد بز معلميه في كثير من المجالات، وهذه ثمرات جهده وتوفيق الله له. وفقه الله إلى كل خير ونطلب منه المزيد.

رجلان في البيت
-- البحر الهاديء - أمريكا

05 - شعبان - 1433 هـ| 25 - يونيو - 2012




مقالة متميزة وتحليل للعلاقة الزوجية الاسلامية الصحيحة التي اشبهها انا بالقفل والمفتاح فلولا المفتاح لايكون للقفل اهمية والعكس صحيح
وانا بأعتقادي كل شيء أساسه البيت والتفاهم والعقل الكبير جزء مهم جداً في الحياة الزوجية ويجب على الاب والام ان يربوا اولادهم من الصغر على تحمل المسؤولية سواء اكان ولد او بنت على حب لأخيك ما تحبه لنفسك الولد يتعلم من ابيه كيفية تحمل ميؤولية العائلة والعمل والبنت تتعلم من امها كيفية ادارة البيت وتربية الاطفال ووووو..............الخ ولا ننسى التعليم فهو جزء مهم لحياة كل من البنت والولد فلولاه لا يوجد تفاهم او عقلية متفتحة.

رجلان في البيت
-- ام عبدالله - السعودية

10 - ذو القعدة - 1433 هـ| 26 - سبتمبر - 2012




المقال متحيز كعادة كتابنا حينما يكتبون عن مواصيع كهذه .. نلاحظ ان جل المقال يحمل المرأة المسؤولية اماالرجل فلم يتحدث عنه الابأربعة اسطر فأساس المشكلة من وجهة نظر الكاتب من المرأة !! ذكر ان على الوالدين ان يربوا الفتاة على الحياة الزوجية ولم يذكر ان عليهم ايضا ان يربوا الولد كذلك ام ان الرجل يولد متعلما ولايحتاج الى تربية .. ان وجود رجلتن في البيت يسبب مشاكل كثيرة لكن ليس اقل منها وجود ديكتاتور في البيت والطاعة المطلقة هي من تصنع ذلك الديكتاور فلاطاعة مطلقة الالله جل وعلا اماماعدا ذلك فحوار وليس لأحد الاستبداد بالقرار ..

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...