رسائل إلى الأسرة المسلمة 1

عالم الأسرة » شؤون عائلية
10 - ربيع أول - 1438 هـ| 10 - ديسمبر - 2016


1

     الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع؛ فإذا صلحت، صلح المجتمع، وإذا فسدت، فسد المجتمع؛ فهي بمثابة المضغة في جسد الإنسان.

     ولقد عني الإسلام بوضع تشريعات تحمي الأسرة وتصونها وترشدها، وتوجهها توجيها خيرا يسعدها في الدنيا والآخرة، وتحميها من الآفات الاجتماعية التي تعصف بالمجتمعات، فتدمرها؛ وبهذا فإن الإسلام قد وضع ما يسمى بالطب الوقائي لحماية الأسرة؛ فإذا وقع البلاء فيها؛ فحينئذ يقدم لها وصفات علاجية تنقذها مما هي فيه من الأمراض بإذن الله تعالى.

     والأسرة في الإسلام تضم الأبوين والأشقاء والشقيقات كما قد تضم ـ أحيانا ـ الأجداد والجدات علاوة على وجود أفراد قد يعيشون في الأسرة كزوجة الابن، وغيرها ممن يلحق بالأسرة.

     وفي الأسرة كبار السن وصغارها، ومنهم الشباب والشابات، والأطفال والبنات، والعجزة ولكل من هؤلاء وظيفته في البيت، وله طموحاته، ومطالبه، ورغباته وأسلوب معيشته؛ ولذلك فإني سأتوجه ببعض النصائح والرسائل إلى هؤلاء جميعا لتكون لهم نبراسا في حياتهم مستلهما هذه الرسائل من الكتاب والسنة وغيرهما من المصادر التي تتفق معهما، أو من خبرات أهل الخبرة والمعرفة والتجربة في الحياة ممن وهبهم الله البصيرة، والحكمة، والعقل، والعاطفة الطيبة.

     وهذه مجموعة من الرسائل والنصائح تسهم في حماية المرأة المسلمة بعامة، وهي عنصر مهم في الأسرة، ثم تتبعها رسائل ونصائح لمكونات البيت، وأركانه سائلا الله تعالى أن يستفيد منها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

رسائل عامة إلى الأخت المسلمة

      1-  ما أحوج فتياتنا المؤمنات إلى استعمال حصافة التفكير، وحسن الأسلوب للوصول إلى الهدف المنشود؛ ولا سيما في زمن طاشت فيه أحلام الكثيرات، فهُرِعْن نحو كل مارق وفاسق ((وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا"النساء28

 

2  -   المسلمة لا تكابر في المحسوس، ولا تنكر الواقع؛ لكنها تلجم عواطفها ابتغاء رضوان الله، والطمع في الجنة؛ فلا شيء في الدنيا من زينة ومتاع ورياش يعدل ما أعد الله للمحسنات من أجر عظيم؛ ففي الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

 

 

3 -  لتكن علاقتك أيتها المسلمة، بنصوص الشريعة علاقة عمل وتطبيق، لا علاقة إعجاب وتقدير فحسب؛ بل هي بمثابة الأوامر للجندي في الميدان ينتظر لحظة الأمر ليستجيب. ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ))الأنفال24.

4 -  إن رسالتك يا فتاتنا المؤمنة في الحياة هي عبادة الله. ((وأقمن الصلاة وآتين الزكاة، وأطعن الله ورسوله .....))، ورسالة العلم، ورسالة التوجيه الاجتماعي ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ" التوبة71.

5 -  المسلمة الأمينة تتخلص من التزوير المَقِيت، والمخادعة الكاذبة في التجمل والزينة، وإظهار المحاسن المموهة، حرصا على الصيت والثناء والمديح؛ وهذا لا يحصل إلا بتغيير خلق الله؛ لأنها تسمع حديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود، قال: "لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ"رواه مسلم في صحيحه.

6 -  أيتها السالكات درب الهدى والنور؛ إنه من يؤمن منكن، وتعمل صالحا يدخلها ربها جنات تجري من تحتها الأنهار خالدة فيها قد أحسن الله لها رزقا، فاجعلن كتاب الله تعالى نبراسا، وسنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ  مصباحا؛ فالعواصف الهُوْجُ لا يقف أمامها إلا مصباح مضيء، ونور يستعصي على الإطفاء. ويأبى الله إلا أن يتم نوره.

7 -  أيتها الفتيات التائهات عدن إلى الله، فوالله ليس لهذا التيه دواء، إلا استدراك رحمة الله تعالى، إن رحمة الله للتائهات كالماء الزلال للعِطاش في الهاجرة، والهواء العليل في الجو الخانق؛ وإن رحمة الله قريب من الحسنين.

8 -  يا فتايتنا المسلمات: إن الإسلام ينظر إليك على أنك تمثلين نقطة الثقل في تكوين الأسرة التي هي نواة المجتمع البشري؛ فاحرصي على إعداد نفسك إعدادا متميزا في ضوء ما يحتاج إليه المجتمع المسلم خوفا من تأثير غربي مباشر أو غير مباشر على قيم وسلوك الأسرة المسلمة، فالمؤمن يحشر مع من أحب.

9 -  أنت يا أختاه ذات أثر كبير في بناء أسرتك ومجتمعك، ولن تقدري على هذه المسؤولية إلا إذا سلكت سبيل العلم والعمل، والعلم ثلاثة: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة، وما سوى ذلك فضل.

10- حذار أيتها المسلمة، أن تفكري في مزاحمة الرجال في أعمالهم، أو تطلبي المساواة الكاملة معهم، وأنت تعلمين الفروق الخَلْقِيَّة بين الرجال والنساء، وهذا يؤدي بك إلى أن تنتهي ـ من أن تكوني أُمَّا متفرغة لتربية الجيل ـ إلى كادحة ناصبة؛ لتحصل على رزقها من كد يدها وعرق جبينها!! والله قد كفاك المشقة. 

11 – إن الإسلام حرم النظرة؛ لأنها من سهام إبليس؛ فلا غرو أن يحرم الأغنية المائعة الماجنة التي تفعل في النفس أشد من النظرة المسمومة، وكلتاهما سلاح فعال بيد الشيطان؛ فمن غضت بصرها عما حرم الله، فقد وجدت حلاوة الإيمان، ومن تركت الأغنية، فقد سعت إلى استكمال إيمانها.

12 – إن كنت تريدين الجنة يا أختاه، فالجمي هواك، وفري إلى الله، ولا جنة بدون ضبط النوازع، ولا نعيم بدون تنظيم الدوافع، والعاقل من آثر ما يبقى على ما يفنى، وما عند الله هو الباقي؛ إنه سلعة الله الغالية (الجنة). ((قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا))سورة الشمس 9.

13 – الحياة بلا حب صحراء قاحلة، أما الحب، فهو عطر الحياة، وسلسبيل الظامئ في البيداء؛ ولكن أي حب هذا!! إنه حب مُرَشَّدٌ حتى لا ينحرف بصاحبه إلى الهاوية؛ فليس من المحظور أن يميل قلب إلى قلب؛ لكن المحرم أن يميل به إلى ما لا يريد الله ورسوله. ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))متفق عليه.

14 – حب الحياة جائز، والمحرم أن ينأى به عن تكاليف الإيمان، وحب المال جائز، ولكن المرفوض فيه أن يتحول إلى غاية. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَالْقَطِيفَةِ، وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ، لَمْ يَرْضَ"رواه البخاري. إن حب الشهرة قد يدفع بصاحبته إلى الشرك؛ لكنه حين يقود إلى التنافس في الأعمال الصالحة طيب, وحب الزينة محمود؛ وعلى المسلمة ألا تبرزه إلى من لا تحِلُّ له.

15 – أختي المسلمة، إن حواجز الله دون الإفلات العاطفي والإثم والضياع إن هي إلا رحمة بك وبضعفك؛ فالثمرة لهذا اللهيب الوقوع في المعاصي، والعار والنار، والحسرة، والشذوذ ((يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا"النساء28، فمن تركت نفسها على هواها، خسرت حياتها.

16 – حين يناديك الشيطان إلى القصة المبتذلة، والفيلم الخليع، والمجلة الهابطة، ثم يوسوس لك: إن الإسلام قيود، فصديه بقول الله: ((وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ))النور19. احفظي عواطفك من أن تُصْرَفَ في غير الحلال الذي ينتظرك، فانشدي وسائله بما يرضي الله، ولا تستعجلي؛ ففي العجلة ندامة.

17 – إن من تطلب سعادتها في غير أوانها، كمن يأكل الثمرة قبل أن تنضج، ومن تطلب متعتها في غير حلها، كمن تشرب الماء في إناء قذر، ومن ترغب في شيء يؤنسها دون مراعاة لدين وعرف وتقاليد كمن اشترت سلعة ثم ألقتها، فتقاطر الناس عليها كل يود منها، فضلت، وأضلت.

18 – إننا نربأ بالفتاة المعلمة أن تنزلق إلى مستوى المقلدة التائهة التي تقتلع نفسها من جذورها، فتصبح شجرة بلا ساق وجذر؛ وعليها أن تحذر، وتُحَّذِرَ من أخطار اتباع عادات وسلوك وتقاليد الأمم السابقة، فنحن أمة ذات شخصية متميزة. ((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ))الأحزاب33.

19 – إن الكلمة الطيبة التي تتكلم بها الفتاة المعلمة الصالحة، سوف تجد لها أثرا على ألسنة طالباتها وقلوبهن، وهي لها صدقة؛ فكم خسرت معلمة نفسها أمام تلميذاتها عندما رأينها تقول ولا تفعل، فهي مثل الزهرة التي ليس لها شذى، فسرعان ما تذبل ثم تموت، كبر مقتا عند الله أن تقول، ولا تعمل.

         وإلى الحلقة القادمة ومع حزمة من النصائح والرسائل المفيدة التي تستفيد منها من تدبرتها وعملت بما فيها من غير تسويف.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...