رسالة إلى بنات حواء لها أون لاين - موقع المرأة العربية

رسالة إلى بنات حواء

عالم الأسرة » همسات
20 - جماد أول - 1435 هـ| 22 - مارس - 2014


1

قال الله تعالى في أول سورة النساء: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا).

وقال تعالى في سورة الحجرات "سورة الآداب": (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13] .وجاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء".

من خلال الآيتين السابقتين والحديث الصحيح يتبين لنا أن خـَلق الناس يعود إلى نفس واحدة (آدم عليه السلام) الذي خلقه من تراب وخلق من ضلعه حواء، وبهما معا بدأ التكاثر والتناسل من أجل إعمار الأرض وعبادة الله وحده، ولا نجد تفريقا في كتاب الله بين المرأة والرجل إلا فيما خَصَّ به طرفا دون الآخر، ونالت المرأة في الإسلام حقوقا لم تنلها في دين آخر، جعلتها تعتز بدينها وتحمد الله تعالى في كل لحظة أن جعلها مسلمة من المسلمات، نبيها محمد ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ خير الخلق وخاتم الرسل، قارئة كتاب ربها حافظة له، ترقى به الدرجات العلا، وتزداد به رفعة في الدنيا والآخرة، متأسية بقول ربها لنبيه: (وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)سورة يونس 65، وقوله: (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ)سورة الحج 18، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين"رواه مسلم.

من هنا تأتي عزة المرأة التي لا يعدلها شيء آخر، وتفخر بانتسابها لهذا الدين العظيم الذي لا تماثله أرفع الأوسمة، أو أسمى الدرجات العلمية، فالعبرة بما تقدمه المرأة لزوجها وأطفالها وأسرتها ومجتمعها ـــ ومن قبل ذلك كله ـــ لدينها، وما تدخرها لآخرتها لتسعد به في الدنيا والآخرة، لا كما يدعي البعض بأن المرأة لا بد لها أن تكون في ميادين العمل جنبا إلى جنب مع الرجل، في تنافس من أجل إثبات ذاتها، لا يهمهم إذا كان في ذلك اختلاط أو فتنة، أو ترك للبيت والأولاد والأسرة، كل ذلك لا يعني لهم شيئا، المهم هو إثبات الذات والحصول على المال والشهرة واعتلاء المناصب من أجل المباهاة والتفاخر.

 ونجد آخرين يرفضون أي عمل للمرأة من قريب أو بعيد، ويرون أنها خلقت للبيت والأولاد وأسرتها فقط، لا تعمل أو لا تخرج للعمل حتى لو كان هذا العمل خاصا بالنساء فقط، وليس فيه اختلاط؛ فيجعل ذلك المرأة مضطربة نفسيا، لا تثق بنفسها، ولا بما حباها الله من ملكات وقدرات، تستسلم لأفكار الآخرين، وتقلد غيرها تقليدا أعمى دون تمييز أو تفكير، صورة الحاضر مشوهة لديها وقاتمة، والمستقبل مخيف تميل إلى التشاؤم أكثر من التفاؤل دائما غير مستبشرة، لا تميل إلى الإبداع والتميز ولكن تفخر بما يفعله الآخرون، وإن كان حقيرا لا يستحق الإشادة به، لا تضيف جديدا لرفعة دينها وأمتها ومجتمعها وأسرتها، بل هي عبء على الجميع.

 ونحن من خلال طرح وجهتي النظر السابقتين لا نميل إلى إحداهما دون الأخرى، ولكن نجمع محاسنهما، ونتجنب سلبياتهما وعيوبهما، فحوَّاء (الفتاة أو المرأة المسلمة) تستطيع أن تلائم بين ظروفها والدراسة والعمل مثلا، من أجل إثبات ذاتها، وأن تحقق ما يرجى منها غير مخالفة لربها أو سنة نبيه ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ  وعليها أن:

  • تخلص النية لله في جميع أعمالها حتى تثاب عليها، وأن تتوكل عليه سبحانه وتعالى.
  • تبذل قصارى جهدها في التعليم أولا؛ كي تتحصَّن بالعلم النافع، فتعلِّم نفسها وغيرها وأطفالها بعد ذلك وتكون منارا يضيء للسالكين دروب الهداية والنجاح.
  • تستفيد مما جاء في القرآن والسنة، وما وصل إلينا من أدبنا العربي بكل فنونه، ففيها الدروس والحكم والوصايا.
  • تقرأ سير أمهات المؤمنين والصحابيات والصالحات ومن بعدهن النساء اللاتي غيَّرن التاريخ وكان لهن أثر عظيم فيمن حولهن.
  • تستفيد من نصائح أهلها أو زوجها أو من جربوا الحياة قبلها وتبني على المفيد من هذه التجارب حتى توفر على نفسها  كثيرا من الوقت والجهد.
  • توازن بين المنافع والمضار في كل عمل تنوي القيام به، وتجعل شعارها: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح".
  • تنظر إلى أحب الأعمال إليها وأقربها إلى طبيعتها، وبذلك تستطيع أن تضع بصمتها، وأن تكون منتجة في وطنها، إضافة له لا عالة عليه، أداة بناء لا معول هدم.
  • لا تركن إلى المثبطين والمثبطات الذين لا يريدون علوا لأنفسهم أو لغيرهم، وإنما حسبهم التباكي والخنوع لا يميلون إلى الإقدام أو المواجهة أو التجربة والخطأ.
  • لا يطغى عملها خارج البيت على واجبها داخل البيت، من رعاية للأبناء والزوج، فكما أن لها حقوقا عليها واجبات، "لا ضرر ولا ضرار"حديث رواه ابن ماجه وغيره وحسنه النووي وغيره.
  • لا تجعل المشكلات أحجارا تعرقلها عن مواصلة عملها، بل تبني منها سلما تصعد عليه كي ترقى إلى ذروة المجد والشرف.
  • تتواضع لكل نجاح تحققه، وتحمد الله عليه، وتطمح إلى الأرقى، فالحياة الحقيقية نجاحات مستمرة، نجاح يسلمك إلى نجاح، تحتاج دائما إلى العمل الدؤوب حتى يلقى المؤمن ربه،  فعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة, فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها"رواه أحمد وغيره، وصححه الألباني وغيره.
  • تحرص على أن تكون مغيِّرة ما حولها ومَن حولها للأفضل، لا تستسلم للظلام وتظل تبكي ولكن عليها أن تضيء شمعة تنير لها ولغيرها طريق النجاح والصلاح، معتبرة بـ "ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط".
  • هذه الرسائل غيض من فيض لبنات حواء اللاتي بهن يقوم المجتمع، جنبا إلى جنب مع الرجال، وبينهما تكامل لا فضل لأحدهما على الآخر إلا بما فضل الله، قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) (النساء من آية 34). وقال تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). (البقرة من آية 228).

         وفي رأيي لا بد من إعادة النظر إلى شؤون المرأة وهمومها، وما جدَّ عليها في السنوات الأخيرة، وإيجاد التوازن بين الماضي والحاضر وبين النصوص الشرعية والتطورات العصرية من غير إفراط ولا تفريط ، وتطويع القوانين الوضعية تيسيرا على البنت والزوجة والأم والأرملة، من أجل مصلحة حواء في مراحل عمرها كافة، وفي ذلك منفعة للرجال أيضا، فبدلا من أن نكسر معاولنا في الصخور الصماء، نجد طريقة نلين بها هذه الصخور لنتغلب عليها ونفتتها دون أن نفقد معاولنا ونصل إلى ما نصبو إليه.

    وفي الختام: أدعو الله أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى، رجالا ونساء، وأن يرزق أبناءنا زوجات صالحات، وأن يرزق بناتنا أزواجا صالحين، وأن يجمل بناتنا ونساءنا وأمهاتنا بالعفة والصلاح، وأن يبعد عنهن شياطين الإنس والجن، وأن ينير لهن سبلهن بنور من عنده.

    روابط ذات صلة


    المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



    تعليقات
    -- أبو عمر - السعودية

    20 - جماد أول - 1435 هـ| 22 - مارس - 2014




    جزاكم الله خيراً أ.حسين ونفع الله بكم، فقد وضعت أيديكم على مشكلة تؤرق مجتمعنا من الرجال والنساء ألا وهي مشكلة عمل المرأة في عصرنا الحديث وما به من فتن شتى ووضعت لها النبراس الذي تهتدي به والخطوات التي يجب أن تتبعها لكي تنال رضا الله أولا وأخيراً..أكرر لكم شكري وتقديري.

    -- أبو عبد الرحمن الصالح - السعودية

    21 - جماد أول - 1435 هـ| 23 - مارس - 2014




    جزاك الله خيرا ونفع بك وأدام عطاءك لخدمة المجتمع الإسلامي بفئاته كافة ونطمح إلى المزيد من الكتابات النيرة وطرح الموضوعات التي تهم الأسرة المسلمة.

    فضلا شاركنا بتعليقك:
    • كود التحقيق *:
      لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

    هناك بيانات مطلوبة ...