رُهاب الطائرة: الأسباب والعلاج

عالم الأسرة » همسات
13 - ربيع أول - 1439 هـ| 02 - ديسمبر - 2017


1

في حياتنا الكثير من الأمور التي إن تأملناها؛ وجدناها تفتقر للمنطقية الفكرية، ومع ذلك نتقبل وجودها بشكل طبيعي، دون أن نُفكر بها بشكل عقلاني، أو نتفحصها. والمشكلة الحقيقية أننا نعتبرها منطقية وبشكل كبير، ونتبنى التفكير فيها، والدفاع عنها كما لو كانت حقيقة واقعية.

ويقبع رُهاب الطائرة على قمة الهرم في هذا النطاق. فعلى الرغم من أن السفر بالطائرة أكثر أماناً من السفر بالسيارة؛ بناءً على احصائيات الحوادث لكليهما؛ فحوادث السيارات هي الأكثر انتشاراً، والأكثر فتكاً بحياة الإنسان عشرات الأضعاف، مقارنة بحوادث الطائرات النادرة الحدوث؛ إلا أن الخوف من السفر بالطائرة، ينتشر على نطاق واسع حتى أصبح هاجس للكثيرين؛ ويرجع ذلك لعدة أسباب من أهمها:

الاستعداد للقلق من قبل الشخص نفسه، والذي يدفعه لأن يرى من كارثة واحدة لطائرة ما وكأنها حدث شائع. مما يُدخله في نطاق التحريف المعرفي وتشويه الأفكار؛ ليجعل من التعميم قاعدة للأحداث من حوله، ويبدأ بالتفكير في الحدث وتخيله صورةً وصوتاً، مما يزيد الرعب داخله من مجرد التفكير بالسفر بها؛ لأن ذلك التفكير يستدعي الصورة الفكرية التي احتفظ بها في مخيلته، والتي تقتضي بحصول كارثة محتمة إن تم السفر من خلالها.

كما أن التعرض لبعض الأحداث التي قد تبدو غريبة خلال السفر بالطائرة للمرة الأولى، قد يجعلها تجربة غير مرغوبة التكرار؛ لما يُحيطها من هالة من المخاوف، والتجربة بدورها أيضاً تُنتج أفكاراً ذات طابع كارثي النتائج. فيتوقع تكرار ما شاهده يحدث معه إن سافر بالطائرة. وكأن حصول أمر فظيع، هو أمر حتمي الحدوث.

بالإضافة إلى أن فكرة الابتعاد عن الأرض، كثيراً ما تكون مصدر خوف للكثيرين الذين يفتقدون للأمان في حياتهم؛ مما يجعل تفكيرهم محصورا في كون وسيلة السفر على الأرض في السيارة مثلاً تظل تحت سيطرتهم، حتى ولو لم يقودوها بأنفسهم. والسفر عبر الطائرة تُفقدهم القدرة على التحكم بسير الأمور أثناء السفر؛ كونهم غير ملتصقين بالأرض. وذلك يجعل من مرحلة إقلاعها مرحلة عصيبة ومُقلقة عليهم. وهبوطها أمر يُثير الطمأنينة والراحة؛ كون الوجود في الفضاء يُشكل مصدراً لفقدان الأمان والتوتر، ويُثير أفكاراً تزيد من أعراضهم المزعجة الناتجة عن التوتر. فضلاً عن الإحساس بالضيق، والخوف لمن يخاف أصلاً من الأماكن الضيقة والمغلقة، أو لديه خوف من الأماكن المرتفعة.

وعادة ما ينقسم من يعاني من رهاب الطائرة حيال السفر بها إلى فريقين:

الفريق الأول: يمتنع عن السفر بها بشكل قاطع، وحتى إن فكر لظرف ما بالسفر بها؛ فإنه كلما اقترب موعد السفر، ازداد خوفه وقلقه، حتى تظهر عليه أعراض القلق أو الاعياء، وعندها يلغي رحلته التي حجزها، بل ويلغي فكرة السفر بها بشكل قاطع، نتيجة تعاظم قلقه.

أما الفريق الثاني: فإنه يسافر بها عند اضطراره وهو كاره، وفي حالة من الذعر قبل وأثناء السفر. ويبدأ في البحث عن احتياطات الأمان التي قد تعطيه بعض الطمأنينة المؤقتة؛ لكنها تزيد من خوفه على المدى البعيد. كأن يجلس طوال الرحلة في حالة من التخشب والالتصاق بالكرسي، والاطمئنان كل دقيقة على حزام الأمان بتلمسه أو الإمساك به طوال الرحلة، بالإضافة إلى السفر في صحبة من يطمئن لوجوده. ومع كل هذه الاحتياطات من الطبيعي أن تصاحبه أعراض القلق، فتزداد نبضات قلبه وتنفسه مع التعرق، وغصة الحلق، وبعض الغثيان والدوار؛ لأن كل تجنب لما يسبب الخوف والقلق يجعله في ازدياد وانتشار. وما تفعله احتياطات الأمان هي تأمين وقتي، سرعان ما يزول؛ ليحل محله الخوف بشكل أكبر من السابق نتيجة تجنب مواجهته.

إن الفكرة الأساسية في العلاج : هي مواجهة الخوف للحد من زيادته. إذ لابد لعلاج الخوف من الطائرة، أي ركوب الطائرة ولعدة مرات، مع تشتيت الانتباه أثناء الرحلة، بالتحدث مع من يرافق المسافر، أو الانشغال بالقراءة وغيرها؛ وذلك لتشتيت الأفكار التي تُسبب القلق، وبالتالي الحد من المشاعر السلبية والأعراض المزعجة.

وقد يبدأ العلاج بالتخيل قبل المواجهة الحقيقية، مع استخدام الاسترخاء؛ للحد من القلق وأعراضه، وللتمكن من كسر حدة الخوف قبل المواجهة الحقيقية. فالعقل اللاواعي لا يُفرق بين المواجهة الحقيقية والافتراضية بالتخيل. وبالتالي تتغير الأفكار المشوهة تدريجياً. وكلما كانت المواجهة مع الخوف أطول وأكثر تكراراً: كانت قوة التغلب عليه أفضل بإذن الله.

 وقد يلجأ البعض لاستخدام بعض الأدوية التي تحد من قلقهم أثناء السفر، وهو إجراء سريع ومفيد؛ لتخطي الخوف أثناء الرحلة، لكن لا يعالج الخوف إلا إذا اقترن بالعلاج السلوكي المعرفي من الاسترخاء، وتشتيت الأفكار مما سبق التحدث عنه. فضلاً على أن مثل هذه الأدوية لابد أن تكون بوصفة طبية و بإشراف الطبيب المعالج، ولا تُستخدم بشكل مطلق للجميع.

فعادة ما يبحث الإنسان عن السبل التي تجعله في مأمن من الأخطار. غير أن الحقيقة التي لا خلاف حولها: أن أقدار البشر جميعهم مُقدرة، ومكتوبة. فلا منع السفر بالطائرة يحمي من الأخطار. ولا السفر بها يجلبه.

كل ما هنالك أن ما قدره الله: سنراه، فلم الخوف والقلق من أمور لا تملك لنا ضراً ولا نفعاً؟

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...