زوجات المبعدين الفلسطينيين.. الحلم بالتحرر من الوطن للوطن!

عالم الأسرة » رحالة
04 - صفر - 1428 هـ| 22 - فبراير - 2007


1

تدور عجلة الزمن، تنقضي أيام وسنون، وتبقى ملامح المعاناة وحيدة منقوشة في وجوه مبعدي كنيسة المهد وتنعكس على زوجاتهم وأطفالهم، ويبقى الحنين ينبض بخفقات قلوبهم يتلمس فرصة وحيدة للعودة إلى الأهل والخلان في بيت لحم المولد والطفولة والشباب.

في العاشر من مايو 2002 وبعد حصار قاس دام أربعين يوماً قررت قوات الاحتلال إبعاد مقاومي كنيسة المهد، بعضهم أبعدوا إلى دول أوروبية، وآخرون عددهم 26 أبعدوا إلى شطر الوطن الفلسطيني الثاني في قطاع غزة، لكن جميعهم وذويهم ذاقوا مرارة الإبعاد وألم الفراق المجهول، وراحوا يدربون أنفسهم على أمل اللقاء القريب بعد شهر أو ثلاثة أو ستة أو عام لكن السنين مرت سريعاً وها هم يشرفون على دخول السنة الخامسة، زوجات المبعدين إلى غزة لم يملكن البقاء بمفردهن وأطفالهن دون سند في بيت لحم التي بدت في عيونهن خاوية فارغة، تحملن آلام المخاطرة والبعد عن أهلهن.. أمهاتهن وأشقائهن وذكرى أيامهن الندية في مسقط رأسهن واتجهن إلى الأردن ومن ثَّم إلى مصر وصولاً إلى غزة عبر معبر رفح الحدودي بعدما رفضت سلطات الاحتلال منحهن تصاريح للدخول إلى القطاع عبر معبر بيت حانون الرابط الوحيد بين شطري الوطن الأسير..

في غزة اختلفت تفاصيل الحياة لا أحد يعرفك إلا زوجك وأطفالك الذين أنجبتهم، رحمك وبعض من أصدقاء جدد يبادرون بالسؤال عنك بين الحين والآخر بمزيج من مشاعر الشفقة والعطف، لا تملكين معهم البوح بألم فراق الأم والأشقاء وتفاصيل الحياة الطويلة في بيت لحم، "لها أون لاين" في التقرير التالي تعرض لمعاناة زوجات المبعدين في قطاع غزة ندنو من خفقات قلوبهن ننقلها كلمات وعبرات على ألسنتهن وملامح وجوههن الذابلة، ونتطرق لحلم العودة بأزواجهن إلى الموطن الأصلي في بيت لحم:ـ

اختلفت الوجوه، تلونت بين الحزن والألم، لم يكن فيها مكان وافٍ للفرح، كيف يكون والأهل والوطن قد حجبه عنهن قانون صهيوني متعسف ظالم، زيارتنا الأولى لزوجة المبعد "فهمي كنعان" فلها من الآلام جملة تسرد في فصول قصة إنسانية تدمي القلوب وتحرق بالدموع جفون العيون.

تقول الزوجة "أعيش في غزة داخل سجن كبير" وأضافت:" ليس بإمكاننا الخروج منه لزيارة أهلنا وذوينا في بيت لحم والعودة مجدداً إلى غزة حيث الزوج والأولاد"، وتتابع: "بداية الإبعاد كدت أن أغرق في دوامة التفكير عشت بين ألم الاكتواء بنارين إحداهما لا تقل وجعاً نفسياً عن الأخرى فتارة أبني قصورا من الأمل بأن إبعاد زوجي لم يتجاوز الشهور الثلاثة وسيعود ويلتئم شملنا في فرح وسعادة بمدينتنا وموطننا بيت لحم، وتارةً أخرى أتوجس من ألم الفراق الطويل فأعزم على مغادرة قلب أمي الحنون وتفاصيل مدينتي الحبيبة وأتجه إلى غزة، وبعد طول انتظار فاق الشهور الستة شجعني الأهل على اللحاق بزوجي مصطحبة معي فلذات أكبادي، إلا أن قوات الاحتلال رفضوا إعطائي تصريحا بالدخول إلى القطاع عبر معبر بيت حانون، فما كان مني إلا تحدي إرادتهم خرجت إلى الأردن ومنها إلى مصر وأخيراً إلى قطاع غزة حيث التئم شملي بزوجي".

وتشير الزوجة: "الحياة في غزة لم تكن سهلة فتفاصيلها مختلفة عن تلك التي عشتها في بيت لحم وجوه الناس تغيرت، عانيت في البداية من التأقلم مع الأوضاع في غزة فلا صدر أم يحتضنك ولا قلب شقيقة تفضفضين معها بما يؤلمك فتجتهد في التخفيف عنك وتعيد الابتسام إلى ثغرك، فقط بعض من أصدقاء وجيران يسلمون ويسألون"، وتستطرد: "حينما وضعت طفلتي إسراء كنت وحيدة في المستشفى تمنيت قلب أمي لتدعو لي وتخفف عني آلام الوضع لكني لم أجدها، كان ذلك أصعب أيام حياتي شعرت وقتها بغربة حقيقية، لم أشعر يوماً قط بالاستقرار والهدوء النفسي دائماً أنشغل بالتفكير ببلدتي الأصلية وأرنو للعودة إليها يوماً ما قريباً".

اغتراب داخل الوطن

ولا تختلف عنها نسرين زوجة المبعد محمد خليف، فما زال الأمل يراود قلبها الحزين، يزين ملامح وجهها، فما يزيدها وأطفالها إلا حنيناً وشوقاً للأم والجدة والشقيقة والخالة والعمة والصديقة الحنونة والجارة المحبة.

 تقول نسرين: "كنت أظن أن تفاصيل معاناتي ستنتهي حين التئام الشمل بزوجي في غزة، ولكن السنوات الطويلة التي أعيشها على أمل العودة بددت مذاق اللحظات السعيدة التي قضيتها مع زوجي بعد اغتراب عنه تجاوز الشهور الستة"، وتستطرد: "قالوا إن عودتنا إلى بيت لحم مرهونة بالانسحاب الصهيوني من غزة وها قد مرّ عام على الانسحاب وما من أمل يلوح في الأفق، أصبحت حياتي محطات من الفراق ابتداءً من إبعاد الزوج وليس انتهاء بالافتراق عن الأهل والخلان في بيت لحم"، وبشيء من التوضيح تؤكد أن حال أطفالها وسؤالهم بشغف عن موعد العودة إلى بلدتهم ومنشأهم ومسقط رأسهم يزيد من معاناتها وألمها وحزنها في ذات الوقت، وبخاصة أنها لا تملك لهم إجابة شافية، وتتابع: "حين أشتاق إلى حضن أمي لا أستطيع الانغماس في أعماقه ولا أملك أن أنقل لها شوقي واحتياجي إليها عبر الهاتف، فقط أحاول طمأنتها حتى لا تتألم من أجلى، واستطردت: "أشعر بوحدة وغربة مريرة رغم احتضان الناس لنا في غزة"، وتلفت نسرين أن أطفالها يعانون من عدم قدرتهم على الاندماج في تفاصيل الحياة بغزة فكل شيء فيها مختلف عما اعتادوا عليه في بيت لحم، مشيرة إلى أن أصغر أبنائها يعاني من عدم تركيزه في دروسه العلمية، غير أنه ماهر في درس الفن فهو فرصته الوحيدة للتعبير عما يجيش بقلبه من شوق وحنين إلى بيت لحم يخرجها في لوحات فنية ذات تعبير واقعي رائع.

أحن لقلب أمي

"أحن إلى قلب أمي" كانت تلك أولى كلماتها المغموسة بعبرات ودموع العين، فمنذ نوفمبر عام 2002 لم تحظ برؤية محياها إلا تخيلاً في أحلام اليقظة أو في غفلة نومها، تقول فداء حمود في نهاية العشرينيات من عمرها، وهي زوجة المبعد حاتم حمود: "أحلم باحتضان والديَّ، أن أعانقهما مطولاً لأطفئ نار شوقي إلى محياهما وأتنعم بدفء قلبيهما بعد اغتراب دام ما يزيد على أربعة أعوام من انتظار العودة دون جدوى"، وتضيف: "لا أنكر احتضان أهل غزة لنا ورعايتهم وحسن معاملتهم ولكن..".

من ناحية أخرى تلفت فداء إلى بعض من تفاصيل حياتها فتقول إن أوضاعها الاقتصادية المتواضعة لا تساعد دوماً على اصطحاب أطفالها الثلاثة في نزهة، ناهيك عن عدم وجود أماكن التنزه أصلاً، وتتابع: "أشعر بقلق وخوف شديدين تجاه أطفالي، فما إن يخرجوا إلى مدارسهم حتى يظل قلبي مشغولاً بالتفكير بهم حتى موعد إيابهم"، موضحةً أنها في البداية كانت تصطحبهم إلى المدارس وترجع لتعود بهم لعدم معرفتهم بالطرق في غزة، وتتألم فداء لمصير وليدها الجديد الذي خرج من رحمها بعيداً عن مكان وجود آبائه، ويزداد ألمها كلما حدثته عن جدته فيسألها عنها وعن جده ولا تملك أن تفهمه أنهم أبعدوا عنهم قسراً دافعين ضريبة حب الوطن والحرية، تسكتها دموع عيناها التي فاضت شوقاً لمحيا والدتها المحرومة منها بفعل رفض قوات الاحتلال إعطاءها تصريح زيارة إلى غزة، وتتساءل لماذا والديَّ بالذات، فكم من أمهات المبعدين استطعن الدخول إلى غزة ورؤية أبنائهن وأحفادهن، وتستطرد: "فوالديّ زوجي زارانا في غزة لمرتين أو أكثر أما والداي فتمنعهما قوات الاحتلال لأسباب أمنية زائفة فقط لتزيد من ممارساتها في إذلال الفلسطينيين".

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


ميرفت عوف

صحافية تعيش في قطاع غزة، مهتمة بشئون المرأة، وكتابة التقارير الاجتماعية والإنسانية، عملت مع عدة الصحف الفلسطينية والعربية.


تعليقات
-- محمد - السعودية

04 - صفر - 1428 هـ| 22 - فبراير - 2007




اللهم فرج الكرب عنهم واجمعهم باحبتهم امين يا رب العالمين..وانصرهم وحرر المسجد الاقصي من خونة العهود اليهود حسبنا الله ونعم الوكيل عليهم..اللهم فرج عنهم كربهم ..صبرا والله المستعان..

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...