ست رعايات نحو تربية متوازنة

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
14 - شعبان - 1438 هـ| 10 - مايو - 2017


ست رعايات نحو تربية متوازنة

رغم السرعة التي اجتاحت تفاصيل حياتنا، يحرص أغلب الآباء على مواكبة العلم الحديث، وتطبيق أساليب التربية السليمة، فأصبح بناء طفل سوي نفسياً واجتماعياً هدفا، يسعى إليه كل زوجين.

ترتيب الأولويات عند الآباء في التربية، أمر متفاوت من شخص لآخر؛ فيجد البعض أن الحرص علي النظافة، وتعليم الأطفال الذوقيات والآداب هو الأهم، في حين يرى البعض أن تنمية قدرات الطفل، وإثراء عقله، يجعل من الطفل شخصا متميزا، وهو ما يستحق الأولوية، ويضع البعض  التعليم الدراسي في المرتبة الأولي لحياة الطفل. في حين يرى آخرون أن الاهتمام بالناحية الدينية للأطفال، وتعليمهم القرآن له الأهمية الأساسية؛ لأنه يقيهم شرور الفتن في الكبر، والبعض الآخر يسعى لتقويتهم بدنياً، بإشراكهم بتدريب الرياضة، والحرص علي تناولهم الغذاء المفيد.

 

واتجه الخبراء حديثاً إلي تقسيم أنواع الرعايات الواقعة علي كاهل الآباء تجاه أطفالهم، وفقاً لحديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ، وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"(متفق عليه).

 

ستة أشكال من رعايات الآباء لأطفالهم، لا تقل إحداها عن الأخرى في الأهمية، بعضها لا يتطلب من أحد الأبوين تأديتها بنفسه، بل يمكنه الاستعانة بآخرين، تتوفر فيهم الثقة لإنجازها بشرط أن يكون تحت إشرافهما.

  • الرعاية الجسدية:
  •           تُعد رعاية الأطفال بدنياً: عنصرا رئيسيا في بناء أجسامهم بشكل سليم؛ كالاهتمام بتقديم الطعام الصحي لهم، والحرص علي ممارستهم للرياضة، أيضاً الاهتمام بالنظافة الشخصية، وتعليم الأطفال كيفية الاعتماد علي أنفسهم في تنظيف أجسامهم، وتنميق مظهرهم الخارجي، و يُعتبر تعليم الأطفال مبادئ الطهارة في ديننا واجبا شرعيا علي الآباء.

     أيضاً الانتباه للحالة الصحية للأبناء، والحرص علي مواعيد التطعيمات اللازمة لهم يُعد من أشكال الرعاية الجسدية، وينصح الأطباء الآباء بتدوين المرات التي أصيب بها الطفل بأي مرض وإرفاقه بوصفة الطبيب في  دفتر خاص لكل ابن؛ حتى يسهُل علي الآباء متابعة الحالة الصحية عند تكرار إصابة الطفل بالمرض نفسه، ويسهل عليه عند الكبر معرفة تاريخه المرضي، حال تعرضه لأي مكروه.

  • الرعاية النفسية:
  • بناء شخصية سوية للطفل، خالية من أي شوائب نفسية، هو ما يتمناه جميع الآباء على الإطلاق، فهناك عشرة احتياجات نفسية لكل طفل، حددها علماء النفس، وأكدوا أن الحرص على إشباعها  في الطفل، يساعد علي نموه بشكل سليم نفسياً، وتجعل منه شخصا نافعا لنفسه، ولجميع من حوله.

    -     الحاجة للحب: حب الأبناء غريزة، وهي المحرك وراء كل ما يبذله الآباء من أجل أطفالهم، ولكن يحتاج الأطفال منا أن نعبر لهم عن حبنا  بشكل صريح،  باستخدام بعض العبارات المباشرة، مثل: (أنا أحبك) أو بالأفعال كالحضن والمسح علي الرأس، وتقبيل اليد وما شابه.

    -     الحاجة للتقدير: يتحمس الأطفال بتقدير والديهم لأعمالهم وتصرفاتهم الجيدة، وللتقدير صور مختلفة، غير كلمات الشكر والمدح؛ فأيسر أسلوب لإظهار التقدير للطفل هو: الاعتراف بالعمل الذي قام به وحسب؛ مثلا: "تركتم المكان نظيفا بعد الأكل". ومن الخطر أن يدمج الآباء التقدير المعنوي بالمكافآت المادية، فيتكون للطفل قناعة داخلية أن عمله الجيد هو خدمة يأخذ عليها مقابلا ماديا، لذلك ينصح بالاعتدال في التقدير،  وتشجيع الطفل فقط بالمكافآت المعنوية؛ حتى نرسخ لديه مفهوما أنه ينفع نفسه بتأديته الأعمال والسلوكيات الجيدة.

          -    الحاجة للتقبل: يحتاج الطفل أن يشعر من والداه أنهم يتقبلونه بكل مميزاته وعيوبه، ولا يجزعون من أخطائه، فهم متقبلون لشكله و صفاته وطباعه، مهما كانت متقاربة أو مختلفة عنهم.

    -     الحاجة للمعرفة: الأطفال فضوليون بطبيعتهم لأبعد الحدود، ولا يسأمون من الاستكشاف، وكل الأطفال لديهم مكنون لا نهائي من الأسئلة، التي تدور بأذهانهم لمعرفة الحياة من حولهم، لذلك فعلي الآباء تزويد أطفالهم بالمعلومات العامة في كل جوانب الحياة، وتشجيعهم علي القراءة والبحث، كما عليهم الصبر علي كثرة الأسئلة، وتيسير المعلومات بحسب عمر الطفل، وضبط النفس عند سماع الأسئلة المحرجة، فليس من الضروري سرعة الردـ بل يمكن الاتفاق مع الطفل، علي  تأجيل الرد علي هذا السؤال إلي الوقت الذي يرتب فيه الآباء ردهم بشكل ميسر ومفيد.

    -     الحاجة للحرية: ترك مساحة كافية للأطفال من الحرية والاختيار، واستكشاف عواقب اختياراتهم، صائبة كانت أم خاطئة، يعزز من خبراتهم وحسن تصرفهم، ولكن بالتأكيد الإفراط في حرية الأطفال له آثار وخيمة؛ فيجب الاعتدال والتوازن.

    -    الحاجة للضبط: القواعد تجعل الطفل يشعر بالأمان، ولكن المبالغة في الضبط تجعل الطفل يتمرد، ولذلك فاستخدام الحرية مع الحزم بالمقدار نفسه، يعتبر من أنجح طرائق التربية.

    -    الحاجة للإبداع من المربي: الروتين اليومي له مميزاته، كأن يجعل الطفل مستقرا نفسيا ومطمئنا. ومن عيوب الروتين يجعل الطفل يشعر بالملل، ومع الوقت يقضي علي حماس الطفل بأن يطور من نفسه ليكون الأفضل، لذلك يحتاج الأطفال منا بعض الإبداع في كسر الملل؛ وهناك بعض الأفكار، منها: أخذ الأم الطفل في أحد الأيام من المدرسة، قبل نهاية اليوم الدراسي، والخروج معه لتناول وجبة خفيفة معاً، أو قضاء وقت خاص معاً بعد نوم جميع أفراد الأسرة  في الرسم سوياً، أو قراءة قصة.

    -    الحاجة للنجاح: شعور الطفل بالنجاح يُزيد من ثقته بنفسه، ومن الخطأ أن نقصر مفهوم النجاح علي التحصيل الدراسي فقط، لذلك فتذكير الطفل دائما بالأمور التي استطاع إنجازها - مهما كانت صغيرة من وجهة نظرنا- يعطيه القناعة بأنه يستطيع النجاح في أي مهمة.

    -   الشعور بالانتماء: الانتماء هو ركن رئيس في بناء شخصية أي طفل، فمن الضروري تأصيل انتماء اللغة والوطن والدين منذ السنوات الأولي في حياة الطفل، أيضا تعزيز شعوره بالانتماء في بيته ومدرسته وعائلته، عن طريق إشراك الطفل في المسؤولية واتخاذ القرارات.

    -   الشعور بالأمان: في فترات العمر الأولي للطفل، يستمد عنصر الأمان من أبويه، لذلك فالتعنيف بمختلف أشكاله - سواء الصراخ، أو الضرب، أو السخرية، أو التوبيخ - من أشد عوامل هدم الثقة بالنفس وعدم الشعور بالأمان، فينصح للآباء بتجنب ردود الأفعال القاسية تجاه أبناءهم.

    3-  الرعاية الدينية:

    تأسيس العقيدة السليمة في نفوس الأبناء، وغرس القيم الإسلامية الصحيحة، وربط حياة الطفل بسيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ و بحياة الصحابة بأسلوب ميسر، بحسب عمر الطفل، وتعليم الأطفال للقرآن، وتعويدهم على الذهاب للمسجد مهمة واجبة على الآباء أو الأشخاص المؤلهين لتلك المهمة تحت إشراف الوالدين.

  • الرعاية التعليمية:
  • تشمل الرعاية التعليمية لكل ما يتعلمه الأبناء من مهارات وأنشطة، تساعدهم في استكشاف مواهبهم، وإبرازها، والاهتمام بدراسة الأطفال، والتواصل المستمر بمعلميهم؛ لمتابعة مستواهم الدراسي، ومدى تجاوبهم في المدرسة، كذلك تشجيع الطفل للاعتماد على نفسه في مذاكرة دروسه.  

  • الرعاية الاجتماعية:
  • ملاحظة مدى تفاعل الابن مع المجتمع من حوله، ومساعدته في التغلب على مشكلات التواصل، وتزويده بالأفكار اللازمة  لحل مشكلاته؛ فبعض الأطفال لديهم مهارات قوية في التواصل بالمجتمع من حولهم، ولكن البعض لديه مشكلة في التعامل بالمرونة المطلوبة، ويحتاجون للدعم والنصح من الأهل.

  • الرعاية السلوكية:
  • توجيه الأطفال للسلوكيات السليمة: من المهام طويلة المدى، حيث تتطلب الصبر والحلم، ولإدخال سلوك إيجابي جديد في حياة الطفل، وجعله عادة، قد يستغرق من ثلاثة إلي ستة أشهر، وذلك يكون بالتحفيز المعنوي المستمر، وحكاية القصص الداعمة لهذا السلوك.

              وأخيراً: فمن الأفكار الجيدة للآباء: تدوين محاور الرعايات الست المطلوبة لكل ابن على انفراد، والعمل على تنمية مناطق القصور فيها، ومراجعتها كل فترة؛ لقياس التطور في تحقيق التوازن في الرعاية.

     

    روابط ذات صلة


    المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



    تعليقات
    فضلا شاركنا بتعليقك:
    • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

    هناك بيانات مطلوبة ...