سوء الظن بين الزوجين (2ـ2)

عالم الأسرة » هي وهو
03 - جماد أول - 1435 هـ| 05 - مارس - 2014


1

 

 

تحدثنا في الحلقة السابقة عن أثر سوء الظن على الحياة الزوجية، ونتحدث في هذه الحلقة عن الأسباب المعينة على مجاهدة سوء الظن والقضاء عليه، ودخول نسائم حسن الظن على الزوجين:

  • سلامة النية: عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، فصبحنا القوم على مياههم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا المدينة بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: "يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله" قلت يا رسول الله: إنما كان متعوذا. فقال: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله" فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم" متفق عليه، أي رواه البخاري (6872) ومسلم (96).

إن صلاح النية وسلامتها هي أساس الحياة الزوجية، والتي تبدأ مع بداية كتابة العقد، وعندما تنطلق الحياة الزوجية تصحبها سلامة النية، فإن هذه الحياة بكافة تفاصيلها تصبح عبادة يؤجران عليها، والنية السليمة لا تجتمع مع سوء الظن، ولذلك كان الحكم على النوايا أمرا متروكا لله الخالق سبحانه، فهو سبحانه يتولى السرائر، فالدوافع والأهداف والغايات يتولاها سبحانه، أما نحن فلنا الظاهر نحكم على الأقوال والأفعال والمواقف.

الحياة الزوجية حياة ثقة وميثاق، وليس سوء ظن وتخوين {هن لباس لكم وانتم لباس لهن} (البقرة : 187) بهذا التعبير الجميل عبر الله سبحانه عن الحياة الزوجية، ولا يمكن للإنسان أن يلبس ملابس وسخة غير طاهرة، بل ملابس نظيفة نقية معطرة زاهية زكية، وبالتالي كل من الزوجين يلبس الأخر، حتى يقول كل منهما للأخر يا أنا، فقد ذابت الحواجز وإذ هما جسد واحد وروح واحدة، في ظل حياة متكاملة.

وعندما يعيش الزوج والزوجة في ظل هذا الميثاق الغليظ، ويتعاونان معا لأن يكون كل منهما لباسا للآخر سيتلاشى سوء الظن، ولن يجد له طريقا إلى قلوبهم.

  • تقوى الله والخوف من عقابه: يعيش الزوج والزوجة الحياة الزوجية في ظل عقيدة وأخلاق وسلوك ومبادئ الإسلام السمح، فلا يخرجان عنها، تلفهما التقوى، فينتبه كل واحد منهما إلى خطواته، وإلى تصرفاته وإلى كلامه وإلى حركاته، فإذا هذه الخطوات والحركات والكلام والأفعال تتجه لرضى الله سبحانه وتعالى أولا، ثم رضى كل منهما، فيكون الزوج راضيا عن زوجته، وتكون الزوجة راضية سعيدة بزوجها، فلا مجال لسوء الظن والله سبحانه وتعالى يقول: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا }(الأحزاب: 58(.

ولا مجال لسوء الظن والحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم يقول: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا. ويشير إلى صدره ثلاث مرات: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه" رواه مسلم (2546).

  • الكمال لله: الزوج والزوجة بشر يخطئ ويصيب، ولا يوجد أحد معصوم من الخطأ، فالكمال لله سبحانه وتعالى، ولهذا على كل من الزوج والزوجة أن يظنا السوء بنفسيهما، ويتهماها بالتقصير، فالشعور بالتقصير دافع إلى مضاعفة الجهد، والعمل لبناء الحياة الزوجية وسعادتها، وإصلاح ما يعيق طريقها.

والشعور بالتقصير دافع إلى تحمل المسؤولية، وإلى التطور الدائم للأحسن والارتقاء للأفضل.

  • حمل الكلام على أحسن المحامل: فالحياة الزوجية ليست حياة ملائكية، بل حياة فيها الأخذ والعطاء والغضب والتسامح، والمشاكل والحلول، والصمت والكلام، حياة متنوعة، وعلى الزوج والزوجة أن يستوعب كل منهما الآخر، فيحمل الكلام على أحسن المحامل، حتى فيما يظهر أنه لا يحتمل وجها من أوجه الخير، فيجد له مخرجا ويحمله عليه؛ لأنها حياة بناء، حياة عُمْر، حياة عشرة، تمتد في الحياة الدنيا وفي الآخرة إن شاء الله تعالى. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا يحل لامرئٍ مسلم سمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوءاً، وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجاً" (التمهيد لابن عبد البر رقم 3002).

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كم نعفو عن الخادم؟ فصمت ثم أعاد عليه الكلام، فصمت، فلما كان في الثالثة قال: "اعفو عنه في كل يوم سبعين مرة" حسَّنه ابن حجر في تخريج مشكاة المصابيح:(3/341)، وصحَّحه الألباني في صحيح سنن أبي داود:(5164 (.

فهذا الخادم إذا أخطأ تعفو عنه سبعين مرة، فكيف برفيقة الدرب وشريكة الروح، ولباس الحياة؟

وإذا رأى أحدهما تصرفا أو فعلا أو موقفا أو قولا ظاهره السوء، فما أجمل تأويل هذا الظاهر، حتى نجعل ظاهر القبيح حسنا، ولنتأمل هذه القصة الرائعة التي ذكرها الماوردي في كتابه أدب الدنيا والدين، لطلحة بن عبد الرحمن بن عوف فقد قالت له زوجته يوما: "ما رأيت قوماً أشدَّ لؤماً من إخوانك! قال: مَهْ! ولِمَ ذلك؟ قالت: أراهم إذا أيسرتَ لزموك، وإذا أعسرتَ تركوك! فقال لها: هذا والله من كرم أخلاقهم! يأتوننا في حال قدرتنا على إكرامهم، ويتركوننا في حال عجزنا عن القيام بحقهم"، وقد علّق الماوردي على القصة بقوله: "فانظر كيف تأوّل بكرمه هذا التأويل، حتى جعل قبيح عملهم حسناً، وظاهر غدرهم وفاءً، وهذا محض الكرم ولُباب الفضل، وبمثل هذا يلزم ذوي الفضل أن يتأوّلوا الهفوات من إخوانهم".

  • التماس الأعذار: من الطبيعي أن يريد الإنسان المسلم زوجا أو زوجة الخير والسعادة والتوفيق للآخر، وللبيت وللمجتمع، وهذه الإرادة لا يمكن أن تثمر في حياة متقلبة إلا بالتماس العذر، وحسن الظن بالآخر، والتماس العذر يترجم على أنه صفاء ونقاء القلب والسريرة والتعامل، وعدم التماس العذر يعني الحقد والضغائن والكراهية. ولهذا كان المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب الزلات كما قال عبد الله بن المبارك.

وعندما يعذر الزوج زوجته، أو الزوجة زوجها، ويلتمس كل منهما العذر للآخر تسير سفينة الحياة الزوجية بأمان وسلام فلا تتكسر، ولا تتحطم، والمتأمل في قصة النملة التي قصها القرآن الكريم، وهي نملة لا تملك العقل والقلب ما يمتلكه الإنسان! فقد قالت لما رأت  نبي الله سليمان وجنوده: "يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يَحطِمَنَّكُم سليمان و جنوده وهم لا يشعرون" (سورة النمل : 18)، "وهم لا يشعرون" قمة الأدب، وحسن الظن، ورجاحة العقل، التمست لنبي الله ومن معه عذرا، فوسمته وجنده بالصلاح والرأفة، وأنهم لا يقتلون ما فيه روح لغير مصلحة، وهذا تنويه برأفته وعدله الشامل بكل مخلوق، لا فساد منه، أجراه الله على نملة ليعلم شرف العدل ولا يحتقر مواضعه، وأن ولي الأمر إذا عدل سرى عدله في سائر الأشياء، وظهرت آثاره فيها حتى كأنه معلوم عند ما لا إدراك له، فتسير أمور جميع الأمة على عدل. ويضرب الله الأمثال للنا " (التحرير والتنوير لابن عاشور 20/243)، وبعدما نبهت والتمست العذر، جاءتها ثمرة عملها "فتبسم ضاحكا من قولها" تبسم نبي الله سليمان، واتسع صدره، وانشرح قلبه، ورفع يديه للسماء يدعو ربه أن يلهمه الشكر.

والزوج إذا التمس لزوجته عذرا، سواء كان العذر موجودا أو غير موجود، وجد ثمرة هذا الالتماس في حياته، وكذلك الزوجة. وفي ضوء هذا الالتماس نفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يَفرَك مؤمن مؤمنةً، إن كرِه منها خلقًا، رضِي منها آخر" رواه مسلم ( 1469). لا يفرك: أي لا يبغض.

 فالزوج إذا خطأ، فلديه محاسن يجب أن لا تغفل عنها الزوجة، والزوجة إذا أخطأت، فلديها محاسن يجب أن لا ينساها الزوج، قال تعالى: { وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } (سورة البقرة: 237( ومن باب عدم نسيان الفضل إذا لم يكن هناك عذر، أن يقول كل منهما للآخر: لعل له عذرا لا أعرفه. فقد قال جعفر بن محمد: "إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره، فالتمس له عذراً واحداَ إلى سبعين عذرا، فإن أصبته وإلا قل: لعل له عذرا لا أعرفه"، فبهذا ترتاح النفوس، وتلتئم الجروح، وتطمئن الحياة، وتسير في سلام.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...