شعبان: شهر التربية على التمَيُّز والرِيَادَة لها أون لاين - موقع المرأة العربية

شعبان: شهر التربية على التمَيُّز والرِيَادَة

دعوة وتربية » نوافذ
15 - شعبان - 1439 هـ| 01 - مايو - 2018


1

 

أعزائي المربين: أهلًا بكم جميعًا

إذا جاء شهر شعبان من كل عام: تجددت مع قدومه أبواب خيرٍ عظيمة لكل مسلم، ومناهل تربوية للمربين، فهو شهر تتشعب فيه طرق الخير، وتُرفع فيه أعمال العباد إلى الله تعالى، ولذا يستحب فيه الإكثار من النوافل، توطئة لشهر رمضان المعظم الذي يليه.

ومن أعظم ما يتميز به شهر شعبان: وقوع تحويل قبلة المسلمين فيه من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، قال تعالى: "قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ"( البقرة:144).

 

عَنِ البَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ صَلَّى إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى، أَوْ صَلَّاهَا، صَلاَةَ العَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ» فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ المَسْجِدِ وَهُمْ رَاكِعُونَ، قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ، لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ"متفق عليه.

وبوقوع هذا الحدث الهام: أذِنَ الله للمسلمين أن يتميزوا بقبلتهم عن سائر الأمم، وخاصة أهل الكتاب، ولتكون أول بيت وضع للناس، وهو الأمر التي تمناه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقبلة التي استشرفها لتأتي من عند الله تعالى غايةً في التوافق، مع سمت الريادة والتميز، الذي منحه الله تعالى لهذه الأمة. ذلك المعنى الكبير الذي يحتاج إليه كل مسلم، حتى يحتفظ بهويته الإسلامية.  

وفي زماننا لا يخفى على كل مربي محاولات تذويب هوية الأبناء، وخاصة في زماننا الذي يشهد طفرة في وسائل الاتصال الحديثة، حتى بات العالم كأنه قرية صغيرة، وأصبح من السهولة بمكان تداول الثقافات والعادات الوافدة بين الشباب عبر هذه الوسائل، الأمر الذي يجعل تأكيد الهوية الإسلامية، وتثبيتها وغرس الاعتزاز بها على رأس القائمة في أعمال المربين. والذي يأتي أوقع ما يكون في نفس المتربي إذا وافق الكلام ذكرى زمان حدوثه وتأسيسه، فليس من وقتٍ أفضل لتُثار فيه هذه القضية، ويتمكن المربي من عرضها، وتعزيزها في نفوس أبنائه من أيام شهر شعبان المباركة، مع ذكر حادث تحويل القبلة العظيم.

ومع عوْدة الذكرى، واستعادة الأحداث كل عام: تتهيأ للمربي جاهزية تربوية عالية، لبث القيم التي يمثلها الحدث، وتسديها لنا الذكرى. فإلى ذكرى تحويل القبلة: نستعرض أهم الدروس التربوية المستفادة منه.

 

-  التربية على المعنى الصحيح للريادة والوسطية:

إنّ معاني الثقة بالنفس، وقوة الشخصية التي يحتاجها أبناؤنا، لا ينبغي أن يستمدوها من أعراض زائلة كالحسب والنسب والمال والجمال، ولكن من الاعتزاز بالإسلام والانتماء له، وبذلك تتكون في نفوسهم معاني الأصالة واستشعار الريادة والتقدم. وأن المسلم خُلقَ ليكون رائداً ورأساً في الناس، هادياً مهدياً بأمر الله تعالى، لا يقلد أحداً في هيئةٍ أوعيدٍ ولا في غيره من الهدْي الظاهر أو الباطن. بل يقلده الناس ويقتدون به، وقد أثنى الله عزّ وجل على عباد الرحمن الذين يسألونه أن يجعلهم أئمة للمتقين، "وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ" (الفرقان:74)، فتلك هي الصورة التي يرى المسلم فيها نفسه ويربي عليها أبناؤه.

ومن الأمور المهمة أيضاً: أن نوضح للأبناء المعنى الصحيح لمفهوم وسطية الإسلام. فالوسطية لا تعني التساهل والتهاون في أمور الدين، أو التنازل عن ثوابته ـ كما يروج الإعلام الفاسد ـ ولكن مفهوم الوسطية الصحيح: أنزله الله تعالى في سياق الآيات التي قررت تحويل القبلة، قال تعالى: "وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا"(البقرة:143)، أي: (عدولاً وخياراً، وما عدا الوسط فأطراف داخلة تحت الخطر، فلذلك كانوا "أمة وسطا" كاملين معتدلين، ليكونوا " شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ"؛ بسبب عدالتهم وحكمهم بالقسط، يحكمون على الناس من سائر الأديان ولا يحكُم عليهم غيرهم) (العلامة عبد الرحمن بن سعدي، تيسير الكريم المنان، ص:53).

 

-  تربية الأبناء على الأصالة التميز:

على المربي أن يبرز للأبناء هذا المعنى، من خلال سرده لقصة تحويل القبلة، وارتباطها برغبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تميز الأمة الإسلامية عن اليهود في قبلة الصلاة، باستقبال البيت الحرام، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كان أول ما نُسِخ من القرآن القبلة؛ وذلك أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بضعة عشر شهرًا، فكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحب قبلة إبراهيم ـ عليه السلام ـ، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله تبارك وتعالى: "قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا"(البقرة:143). فأعطاه الله تعالى ما سأل لأمته، فأصبحت الخصوصية والتميز من ألزم صفات الأمة المسلمة، في التصور والاعتقاد، وفي القبلة والعبادة، وفي شخصية أفرادها، وفي كل شيء في حياة المسلمين.

 

-  ضبط ملكة التقليد عند الأبناء:

إنّ فهم الأبناء للقيم السابقة ومعايشتها: سيجعلهم ينبذون التقليد الأعمى، ويعتزون بشخصيتهم المسلمة، نعم يعد التقليد في سنوات الطفل الأولى فطرياً وهاماً، للتعلم والتلقي السليم عن القدوات من أب وأم ومعلم ـ خاصةً وأنه يعتقد حينئذ - أن كل تصرفات الكبار صائبة، وكذلك كل ما يسمحون به، أو يسكتون عنه، ولكنه يمثل مصدراً للخطر والفساد، إن لم يكن ثمة رقابة على ما يقلده الأبناء، سواء في وسائل الإعلام التي تصنع القدوات الفاسدة، وتروج لها أو كان تقليداً لعادات وتقاليد غير المسلمين، ومحاكاتهم في الملابس، وقصات الشعر، والمناسبات الاجتماعية وغيرها. 

ومصدر خطورة التقليد كوْنه إلغاء للشخصية، وإذابة لمقومات الاستقلالية التي هي لازمة من لوازم التكريم الإلهي للإنسان، فالمقلد يلغي وجوده بتقليده لغيره، ويقضي على كيانه، ويغمض عينيه ليرى بعيون الآخرين، ويصم أذنيه ليسمع بآذانهم، ويوقف حركة عقله وتفكيره ليفكر بعقولهم. إنه يسحق ذاته ليكُون جزءاً من الآخرين، وتكملة لهم. هذه هي نظرية التقليد عمومًا، فكيف إذا كان التقليد في الضار دون النافع، والخبيث دون الطيب، والفاسد دون الصالح. (عبد الله بن حمد الشبانة: المسلمون وظاهرة الهزيمة النفسية،136).

ومن هنا كذلك، كان النهي عن التشبه بغير المسلمين في خصائصهم وتقاليدهم وشعائرهم الظاهرة والباطنة، وكان تحويل القبلة من قبلة اليهود إلى البيت الحرام على رأس هذا التشريع العظيم، ولم يكن هذا تعصبًا ولا تمسكًا بمجرد شكليات، وإنما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات، كان نظرة إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال الظاهرة، وهذه البواعث هي التي تفرق قومًا عن قوم، وعقلية عن عقلية، وتصورًا عن تصور، وضميرًا عن ضمير، وخلقًا عن خلق، واتجاهًا في الحياة كلها عن اتجاه.

 

وأخيرا:

تبقى المحافظة على الهوية الإسلامية، بما تتضمنه من الشعائر الظاهرة والسمت الإسلامي المميز، لشخصية المسلم في عاداته وتقاليده، هي السدّ المنيع والجدار الصلب الذي تتحطم عليه موجات التغريب واستلاب الهوية الإسلامية، مهما كانت قوتها. نسأل الله تعالى أن يُعزّنا وأبناءنا بالإسلام أبداً ما حيينا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

-  المسلمون وظاهرة الهزيمة النفسية: عبد الله بن حمد الشبانة.

-  هويتنا أو الهاوية: د.محمد اسماعيل المقدم.

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...