شهر مبارك لها أون لاين - موقع المرأة العربية

شهر مبارك

أدب وفن » دوحة السرد
21 - رمضان - 1439 هـ| 05 - يونيو - 2018


1

يروي الشيخ محمد الفراج قصة سمعها من أحد كبار السن، حدثت في قرية قريبة من مدينة الزلفي في المملكة العربية السعودية قال:

"هلّ علينا رمضان، وليس عندنا ما توقد عليه نار ولا تمر، فخشيت أن ينقضي شهر رمضان، ويحل علينا العيد وليس عندنا لا تمر ولا طعام، فضاقت بي الدنيا، وقلت في نفسي: أذهب وأحتطب من أرطى النفود لأبيعها على القرى المجاورة!! والأرطى عبارة عن عروق شجر، تستخرج من تحت رمال النفود بصورة سطحية، وليست عميقة تستخدم بدل الفحم. أضاف: بقيت أياماً أحتطب في نهار الصيام من نفود الضويحي، حتى استطعت أن أحمل راحلتين من خشب الأرطى، فسِرتُ بالناقتين إلى سوق مدينة المجمعة لأبيع الحمولة.

 

كان السوق شبه خال وخاملاً تمامًاً، ويبدو أن البلوى عامة والكساد شامل!! وأنا على أمر عظيم من الجوع والجهد والسهر والبرد.

 

أذّن الظهر، وما وقف عليّ أحد يرغب بالشراء، صليت الظهر ورجعت ومكثت إلى العصر, ثم صليت العصر، ومكثت أنتظر ثم أذّن المغرب، وحلّ الظلام وأنا لا زاد ولا مأوى، وبينما أنا في همّي وتفكيري. إذ مر بي رجل كبير متأبطاً عباءته، مستعجل الخطى ليدرك فطوره، فالتفت إلي وقال: يا ولدي إن مكثت هكذا فإنك ستمرِح في مكانك عند ناقتيك، (أي ستنام في مكانك) ولكن أشير عليك برأي.

 

قلت: بلى، والله ما أحوجني إليه!

 

قال: هذا قصر الأمير ابن عسكر ألا تراه؟ وأشار إليه؟

 

 قلت: بلى.

 

 قال: فاذهب واهده حطبك، لعلك تجد ولو فطورًا تفطر به.

 

فوجهت راحلتي إلى قصر ابن عسكر، فلما رآني رجاله، فتحوا لي باب القصر الطيني حيث تدخل المطايا، وقلت: هذا الأرطى هدية للأمير، فحلوا حبال الأحمال ووضعوها، وأطعموا الدواب ودلوني على مضيف الأمير.

 

 فما كان أسرع حتى حضر الأمير، وسلم، ووضع التمر بين يدي، وكان أذان المغرب قد حل، فهجمت على التمر، فلولا الحياء لأكلت التمر وإناءه، وابن عسكر يرمقني بطرفه، ثم قمنا إلى الصلاة فصلينا المغرب، ثم قدم الجريش بالسمن (طعام نفيس جدًا حينها) فقلت في نفسي:

 

يكفيني والله هذا، من أسعد مني اليوم؟ فأكلت وأكلت حتى شبعت، ثم نظرني الأمير وقال: من أين يا ولدي؟

 

قلت: من الزلفي، ومعي لك صوغة (أي هدية).

 

قال: ما هي يا ولدي؟

قلت: حمل ناقتين من أرطى نفودنا بالزلفي؟

قال: مقبولة يا ولدي، وما أدراك بأننا محتاجون إلى الحطب؟

 

قال هذا لي من أدبه - رحمه الله ـ، وإلا ففناء داره مليء بالحطب.

 

ثم قلت: أسلم عليك أيها الأمير في أمان الله، وهممت بالخروج فإذا هو يستوقفني ويقول: هذه “عرقتك” أي أجرك.

 

فلما عددتها إذا هي عشرة ريالات فضة، فكدت أخر من شدة الفرح، وقلت في نفسي: من أسعد مني؟ أنا اليوم ملك!.

 

وذهبت إلى المسجد، وصليت العشاء ومكثت فيه، ثم صليت القيام في المجمعة، ونمت في المسجد حتى إذا أصبحنا ذهبت إلى السوق، ووقفت على بائع التمر، فسلمت عليه، فاذا هو يقرأ من مصحفه.

 

 قلت له: أريد تمراً.

 

قال: ما عندي تمر.

 فأخرجت النقود قال: الآن نعم، فملأت كيسين كبيرين من الخام تمراً، ثم اشتريت كسوة لأمي وزوجتي ونعلين لهما!! وقفلت عائداً إلى أهلي وموطني الزلفي، فدخلت البيت، ورأت أمي الأحمال من التمر فصاحت: (حسبي الله عليك! حسبي الله عليك!).

قلت: لم يا أمي؟!

قالت: عشنا طول أعمارنا في ستر الله، وآخرتها تسرق تريد أن تؤكلنا الحرام؟

من أين لك ثمنها؟ فأجلستها وقصصت عليها الخبر, وأريتها بقية الدراهم. وقلت لها: يا أماه! الحمد لله لدينا تمر يكفينا الشهر والعيد ومدة بعدهما.

 

فحمدت الله وشكرته.

 

 وقلت: الآن أستريح قبل الصلاة، فأسندت ظهري للجدار، وعيني على أكياس التمر خوفا عليه، وأخذت غفوة يسيرة، ثم فتحت عيني، فإذا لا يوجد أمامي غير كيس واحد منقوص، فصرخت: يا أمي أين التمر؟؟

 

 فضحكت وقالت: قسّمتُ كيساً، وبقي بعض البيوت ما نالها شيء، ففتحت الكيس الآخر، والله يا ابني ما فيه بيت من بيوت الجيران إلا ويتسحرون الآن على تمرك.

 

هنا تلاشى فزعي وغضبي، وذرفت عيناي دمعًا بعد أن كنت قبلها بمدة يسيرة، لا أجد أنا وأسرتي ما نأكله، وإذا بوالدتي تقسم الأرزاق على الناس!! وقلت: الحمد لله على فضله ونعمه.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...