صباح العيد

أدب وفن » دوحة السرد
10 - ذو الحجة - 1424 هـ| 02 - فبراير - 2004


صباح العيد

د. حسين علي محمد

ـ1ـ

خرجتُ من حجرتي التي تقبع في ممر طويل مظلم، مُلحق بتلك المدرسة النائية في جبل "النخلة الحمراء".. أمام الباب مطلع وعر، تمرُّ منه السيارات القادمة من صنعاء، والمتجهة إلى مدينة "الأحد".

الوقتُ أمامي قصير لألحق صلاة العيد.. لماذا تأخرتُ في النوم؟.. لم أنم إلا قبيل الفجر بنصف ساعة أو أقل قليلاً.. باق عشرُ دقائق على الصلاة.. عليَّ أن أصل إلى الساحة التي سيصلون فيها صلاة العيد.

نظرتُ أمامي فوجدت الأستاذ "سيد ريحان" المدرس بالمدرسة الابتدائية المُجاورة يمشي مُصطحباً ابنه الأكبر "مصطفى " ذا الأعوام التسعة.. أما حلمي ذو الأعوام الخمسة فيبدو أنه مازال نائماً.. فعل خيراً فالدنيا برد، ودرجة الحرارة تنخفض عن عشر درجات!

تلفت "سيد ريحان" إلى الخلف فأبصرني، فانتظر لألحقه.. شدَّ على يدي مهنئاً بالعيد السعيد، راجياً أن يُطيل الله عمرينا لنكون العام المقبل "على جبل عرفات معا" .. وعانقني، فشممتُ عطراً رخيصاً يفوح من طيات ثيابه.

ثياب ريحان مكوية، وشعره لامع، وفرحة العيد ترقص في عيني طفله "مصطفى".

لاحظت سيد ريحان وهو يُحملق في وجوه اليمانيين، ويهمس لي:

ـ رباه! .. كم هم مختلفون اليوم عن الأيام السابقة!

مشينا صامتين ـ أنا وسيد ـ والولد يقفز وكأنه عصفور!

جلستُ بجوار سيد ريحان على حشيش أخضر، في أرض مستوية، تتخللها بعض أشجار الخوخ .. تأكّدت أني أيضاً ألبس بنطلوناً وقميصاً جديدين، اشتريتهما منذ أسبوع من "صنعاء"، لكن بلا مكواة تمر عليهما.. فأين أجد الكوّاء في هذا المكان النائي؟!!

- 2 -

هاأنذا أجلس مطرقاً في مصلّى العيد، بكل مشاعري أستمع إلى "الشيخ محمد الأعرج"، وهو يُلقي خطبة العيد، عن معنى التضحية والفداء. والشيخ محمد مدير المدرسة الابتدائية المجاورة، وقد أخبرني منذ عدة أسابيع أنه درس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالسعودية ـ وإن كان لم يُتم دراسته الجامعية ـ ولذا فهو يفهم الفقه السني فهماً جيداً، وإن كان يُخطئ في اللغة ـ في كل خطبة ـ في كلمات قليلة!

- 3 -

هاهم اليمانيون يتعانقون في مودّة وفي حرارة بعد انتهاء الإمام من خطبته القصيرة.. وضحكات الإمام الصافية العالية تحتوي المكان.

نظرت إلى اليمانيين وهم يسلمون عليَّ بإعزاز، فوضعتُ على فمي ابتسامة عريضة، لكن لم يقل لي "سيد ريحان" هل كانت حقيقية أم باهتة، كما اعتاد أن يصف ضحكاتي فيما سلف من أيام؟

عانقني بعضُ طلابي، وعانقني بعضُ من لهم أولاد يدرسون عندنا في المدرسة الثانوية .. في حرارة حقيقية.

- 4 -

في المدرسة الثانوية ثلاثة أساتذة فقط:

عبد الغني حسنين: مدرس اللغة العربية والتربية الإسلامية، وقد ذهب ليلة الأمس إلى قرية "الخرابة" المُجاورة ليقضي يومين من أيام العيد مع ابن قريته "فريد"، وقد ألحَّ على أن أذهب معه (فزوجة "فريد" ابنة خالته، وليست غريبة عليه) .. ولكنني لم أستجب!!

وعلي عوض الكريم: سوداني، يدرس اللغة الإنجليزية والمواد الاجتماعية، وقد ذهب منذ يوم الخميس ـ من ثلاثة أيام ـ إلى "صنعاء" ليُمضي العيد مع أبناء بلده، (وكان قد قضى عيد الفطر في ذمار) وعرضَ عليَّ أن أذهب معه إلى صنعاء، ولكني قلتُ له:

ـ أنت ستذهب إلى أقاربك وأصدقائك.. وأنا ماذا سأفعل؟!

ضحك ضحكة عذبةً أنارت وجهه الأسمر:

ـ أنت أيضاً قريب وصديق.

ولكنني لم أستجب!!

وأنا.. مدرس الرياضيات والعلوم!

أما المدرسة الابتدائية المُجاورة لمدرستنا فلها مدرس واحد هو "سيد ريحان"، وقد أعدّت له القرية سكناً مؤثثاً، مكونا من حجرة واحدة، يسكنُ فيه هو وزوجته وولداه مصطفى وحلمي.

اليمنيات يزرن زوجته عصر كل يوم، فلا يجد مفرا من أن يصطحب ابنه الكبير "مصطفى"، ويأتي ليجلس معنا، ويُخفف عنا وحدتنا بأحاديثه الجميلة، وقصصه المسلية!

هل يعود من المُصلَّى ليجلس معي، ويُخفف عني وحدتي، ويذكرني بأيّام الأعياد في مصر!

- 5 -

صحبني "سيد ريحان" وابنه في طريق العودة. وقبل خطوات من البيت استأذن مني.. في سرعة ولهوجة.. لأنه مدعو عند شيخ القرية ـ هو وزوجته وطفلاه ـ ورجعتُ إلى حجرتي عابراً الصالة المُظلمة.

أوارب الشباك قليلاً .. لأسمع ضحكات الأطفال.. وصياحهم.. وصفاراتهم.

أخرجتُ بعض الحلوى التي اشتريتُها أمسِ من البقال الوحيد في القرية.. ليست جيدة، لكنها خير من لا شيء!

تذكّرتُ أبنائي وزوجتي وأخواتي الأربع (فأنا الأخ الوحيد الذي يدخل عليهن في العيد) فأحسستُ بغصة في حلقي!.. مددتُ يدي لأشرب كوب الشاي البارد الذي عملتُه قبيل الفجر ونمتُ، ولم أشربه!

أُحسُّ ألماً شديداً في ساقي اليُسرى.

البردُ شديد.. فلأغلق الشباك، ولأتمدد على سريري، ولألبس جورباً سميكاً عساهُ يخفف عن ساقي بعضَ ألمها.

..يبدو أنني لن أخرج من البيت ـ اليوم أو غداً ـ حتى يعود عبد الغني من "الخرابة"!

حسناً .. لقد اشتريت أمس من البقالة ما يكفيني يومين!

 

 

 

 



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-كان الله في عونكم- ريحانه -

01 - شوال - 1430 هـ| 21 - سبتمبر - 2009




كل عام وانتم بخير
الله يكون في عونكم أخواننا اليمنين من هذي الحروب والأحزان على الأبرياء اللي يموتون في الحرب بدون ذنب
يارب الله يجعل رمضان الجاي أحسن من هذا
ويبلغنا وإياكم رمضان سنين عديده وأعوام مديده
وكل عاام وانتم بخير

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...