صخب!

أدب وفن » دوحة السرد
16 - ذو القعدة - 1440 هـ| 19 - يوليو - 2019


1

ثُم يومًا.. بعد أن يبلغ بك الكتمان مبلغه.. قد تضنيك بعض الظروف فترغم نفسك على الانغلاق حولها والانعزال بها عن الجميع .. بسبب ربما أو بلا سبب، ترى في الابتعاد أمثل الحلول وأقلها سوءًا.. وقتئذ تخال أن نفسك أضحت في غنًى عن الجميع.. تعفّ جروحك عن يد تربّت على ألمها علها تزيل ثقلا.. لأن هناك في نفسك قد استقر معنًى مغاير لما هو مفترض.. معنًى يجزم بأن اليد التي ستمتد حتمًا ستؤذي، لن تربّت!

حينها فقط تنجح -جزئيًا- في اعتزالهم.. لن تنغلق بشكل كليّ، هذا يستحيل في عالمين يضجان بالكثير.. أحدهما واقعي.. والآخر أقرب إلى الوهم

راحة فاترة.. ستجدها في البداية.. ستنقضي فترة ليست بالوجيزة تقضيها بعيدًا قبل أن تسأم مجددًا

ثم على حين غرة تقتنص وحدتك بنفسك.. دون أن تدري ستجدك تبتعد عنك قليلا، عن ذاك الهدوء النسبي، إلى صخب آخر غير الذي فررت منه..

دون أن تدري.. ستتلمس في ظلام نفسك أيادٍ بيضاء.. تستند بها إلى مكان أقل ظلمة..

هناك.. ستجد كلمات لن تستوحشها.. ولن ترغب في الفرار منها..

أيادٍ أخرى، لكنك لم تقصها كما آنفت.. أيادٍ تحمل لك بلسمًا مغلِفًا لكلمات صادقة.. بسيطة ربما ولا تكلف بها.. لكنك تجد فيها من الألفة الكثير.. وتجد فيها من النور ما يكفيك

شيء كالصخب الهادئ، كالمطر في ليلِ يومٍ ألهبته الشمس، وكالبعد القريب!

هي أوقات ليست بالطويلة حتى، لكن ثمة كلمات اقتنصت وحشتها ورتابتها وغيرت فيك الكثير.. مفاهيم كنتَ قد احتفظت بها وأعطيتها حق العلاوة على أمور أكثر أهمية..

في الوقت الذي كانت تغوص في نفسك أمور ثقيلة تهوي بضعفك..

كان الله يبث لك من الألفة والسند ما كنتَ ترغب في إقصائه..

كان يهبك هدايات جميلة..

قد يهبك شخصًا يداوي ما نكأ من جراحك.. ربما دون قصد منه.. ودون علم بماهيّة ألمك.. لكنه فَعل على أية حال.. فَعل باتقان!

لم يكن دواؤه أحاديث مطولة تتخللها عبارات مواسية.. لكنه كان كلمات بسيطة.. بتأثير أعمق مما تبدو عليه.

ثم مرة أخرى ودون قصد آخر تدرك مفهوم الألفة في الله والمحبة لأجله!

تدرك أن انعزالك التام كان ليجعلك تفوت شيئًا نقيًا كهذا..

كان ليحرمك لذةَ الفهم الواقعي لجمال النفوس وصفائها دون الاطلاع على المظاهر..

كان ليمنعك من فِهم كلمات مررتَ عليه سابقًا مرور الكرام "الأرواح جنود مجندة".. أنتَ الآن تُعاين جيدًا ما تعني تلك الكلمات!

في النهاية.. تعود إلى البداية

البداية الأجمل من سابقتها..

تعود إلى صخب، ولكنه ليس بالمزعج.. وكلمات ليست بالمملة.. وأيادٍ ليست بالموجعة.. وعبارات ليست بالشامتة..

صخب نقي جميل تكتفي ببساطته دون التعمق في تفاصيله.. تشكر نفوسًا جميلةً أضافته إلى عزلتك..

لتجزم هذه المرة -وعن تجربة- بأن الوحدة التامة والانعزال الكامل مستحيلان، وإن تحققا فسيحرمانك -حتمًا- جمالًا لم تكتشفه..

الآن فقط يمكنك قولها بملء رضاك وقناعتك : "لا بأس بصخب هادئ، لا بأس بنفوس نقيّة!"

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...