صديقتي النخلة

أدب وفن » دوحة السرد
19 - شوال - 1439 هـ| 03 - يوليو - 2018


1

في شارع صغير من مدينة كبيرة: اعتاد "حمزة" في خروجه وعودته إلى البيت، أن يمر بحديقة تابعة لإحدى المنازل العتيقة، ورغم تنوع الأشجار خلف ذلك السياج الغليظ، واختلاف ثمارها إلا أن حمزة، ومنذ نعومة أظافره: تستوقفه نخلة عظيمة تتوسط الحديقة، وتقف بين الأشجار وقوف الملك أمام جنده.

 

هو لايزال يذكر انبهاره الشديد بالنخلة، حين وقعت عينه عليها أول مرة، ولم يبلغ العاشرة بعد، وكم نأى عن أترابه وهم يلعبون؛ ليتخذ له مكانا بقربها، يمعن النظر إلى جذعها الضخم، وطولها الباسق، ورأسها المميز، فلا هي تحمل أغصانا مثل باقي الأشجار، ولا تتدلى منها أوراق كما عند كل النباتات، بل تملك أيدي غليظة متوجهة إلى السماء في كبرياء، فكأنها تعانق الشمس، وتتدثر بأشعتها الصفراء المتلألئة، تتدلى من تلك الأيدي الغليظة عناقيد صفراء كأنها الذهب الخالص قيل له: إنها تمر!.

 

ومع مرور الأيام تحول الانبهار إلى إعجاب، ثم استحال الإعجاب ألفة ومودة، ولم يبلغ حمزة مبلغ الشباب، حتى تمكن حب النخلة من قلبه، واستقر بين ضلوعه، فوجد نفسه دون تفكير مسبق منه: يحرص على المرور أمامها، فيقف عندها ويبتسم لها قائلا:

"صباح الخير نخلتي!"

 

وإنه ليحس انحناءها إليه وسرورها برؤيته، بل كأن صوتها الخفي يحييه أيضاً بالحرارة نفسها وبالصدق نفسه. وينصرف بعدها، حتى إذا عاد في المساء ردد وعيناه معلقتان في السماء:

 

- مساء الخير صديقتي النخلة!

 

فيشعر بسعادة منقطعة النظير، وصديقته تنتظر عودته، وترقب خطواته، وتهش للقائه.

 

تآلفت روح الشاب الصغير بروح النخلة الشامخة، ونشأت بينهما صداقة حميمة، إذ أصبح حمزة يجلس إليها كل يوم، ولو لبضع دقائق، يقاسمها ما يحدث له في يومه، فإذا كان سعيداً: رمى بمحفظته في فناء بيته، وأسرع الخطا نحو نخلته ليحكي لها أسباب سعادته، ويشركها فرحته، فإذا آلمه شيء: أتاها بخطوات متعثرة، ورأس منكس، ودموع الحزن تتداعى في عينيه السوداوين الكبيرتين.

 

ودون أن يتفوه بكلمة يجلس القرفصاء بالقرب منها ساعات طويلة، فكأنهما يتناجيان في الخفاء بلغة لا يفهمها سواهما. ويظل كذلك، محتمياً بها، محدثا إياها في سره، حتى يذهب عنه بعض حزنه، فيعود إلى بيته وابتسامة الرضا مرتسمة على شفته.

 

شاركت النخلة الوفية مشوار حياة حمزة، فقد أيقنت بحسن أخلاقه، وجده واجتهاده، فها هو ذا ينجح في دراسته ويلتحق بالجامعة، وهي تذكر يوم جاءها وشهادة تخرجه بين يديه، يلوح بها في السماء حتى تراها صارخا ملء فيه:

 

 "لقد نجحت يا صديقتي: لقد نجحت".

 

كانت النخلة المباركة سبباً من أسباب سعادة حمزة، وفأل خير عليه، فمنذ عرفها وهو ينتقل من نجاح إلى نجاح، ومما كان يملؤه غبطة وسرورا يقينه بأن صديقته ستكون حاضرة دوما لتشاركه أفراحه، وتواسيه في أحزانه، فجذورها ضاربة في أعماق الأرض منذ عشرات السنين، ورغم تغير الأحوال حولها، وتداول البشر أمامها، إلا أنها ظلت واقفة بشموخ تتحدى الزمان، وتزداد التصاقا بالمكان، وربما في سنوات حياتها المديدة، لم تعقد صداقة حقيقية مع أحد من بني البشر كالتي جمعتها بهذا الآدمي الرقيق المشاعر، الذي قدر قيمتها، وأحبها لذاتها، واتخذها صديقة له دون سائر المخلوقات؛ رغم أنه إنسان، وهي تنتسب إلى جنس النباتات لم توجد إلا لخدمته، ولم تخلق إلا لتعطيه.

 

حصل حمزة على منصب عمل في إحدى المؤسسات بالمدينة، ولم يمض وقت طويل حتى شهد ذلك الشارع عرسا كبيرا احتفالا بزواجه، وفي غمرة فرحته: لم ينس أن يمر بصديقته ليحمل لها بشرى زفافه، وما كان ليخفى عليها خبرا كهذا، وقد وصلتها زغاريد النسوة وغنائهن، والجلبة الكبيرة التي أحيت المكان كله فرحة بالحدث السعيد.

 

انتقل حمزة للعيش مع زوجته إلى بيت جديد في شارع آخر، لكن ذلك لم يمنعه من التردد على الشارع الذي شهد صباه، ومطلع شبابه، فكان يزور والديه وإخوته، ثم يعرج على نخلته؛ لينعم برؤيتها ويأنس بوجودها. وإن لحمزة صفة تؤلمه أكثر مما تسره، رغم ندرتها في زمن الخيانة والغدر.

إنه يحمل في نفسه الرقيقة من الوفاء ما يعذبه ويقض مضجعه، الوفاء للأشخاص والأمكنة وحتى للأحداث. فهو لا يقيم بمكان حتى يألف جدرانه وأرصفته وأشجاره، ولا يسكن بيتا حتى يعشق غرفه وأثاثه وفناءه، ولا يعاشر بشرا حتى يتمكن حبهم من قلبه! وإنه ليتعلق بهؤلاء جميعا، تعلقا يدمي قلبه الشفاف، ويشعر تجاههم بألم فراقهم حتى قبل الفراق، فلا ترتاح نفسه إلا إذا حظي أحبته من البشر والحجر والنبات بكامل حبه ولسان حاله يقول: "لم ولن أنساكم أبدا!".

 

وهذا ما شعر به حين فارق الشارع الذي يتربع فيه بيته القديم، وتتعالى في سمائه نخلته الحبيبة، فكان كلما زار عائلته زار نخلته، فكأنها فرد من أفراد أسرته، وربما شغلته مسؤولياته عن هذه أو تلك، فيستدرك مافاته بأن يسرع الخطوات نحوهم، فيطلب السماح منهم، ويعتذر إليهم.

 

وكم مرة جلس في المكان نفسه مقابلا النخلة، وكأن الزمن قد عاد إلى الوراء، فإذا به دون العاشرة ينظر بانبهار شديد إلى هذه الشجرة العجيبة، ويتفحص ما حوله وهو كبير، فإذا كل شيء كما عهده فتطمئن نفسه، وتسكن روحه ويرحل ربما لساعات، إلى الماضي فيسأل نخلته:

 

"هل تذكرين عندما كنت صغيرا، أملأ هذا الشارع صراخا وضجيجا؟ ويوم أصبحت شابا يافعا أحمل في رأسي من الأحلام والطموحات مقدار ما يحمله قلبي من العواطف والمشاعر؟ هل تذكرين؟".

 

وكم تمنى حقيقة لو تنطق النخلة ولو مرة واحدة فتقول: "نعم، أذكر ذلك جيدا!".

 

 لكن النخلة لا تنطق أبدا، ولا تكلمت الجدران والأرصفة والأشجار، كي تشهد له على مروره فيها، وتشهد على طفولته وشبابه، لكن همسها كان يصل أذني حمزة المرهفتين، ويمس شغاف قلبه، فيوقن دائما أنها مثله تحس به، وتسمعه وتقاسمه مشاعره، وإن لم تتفوه بكلمة.

 

مرت السنوات، ومات والدا حمزة، وتفرق إخوته، ثم هدم البيت القديم، وارتفع مكانه بناء جديد، وتزاحم التجار على ذلك الزقاق، وشيدوا البنايات الحديثة، فتحوا المحلات الراقية؛ ما شد انتباه المشترين، فاكتظ الشارع بالغادين والرائحين، وكثرت الجلبة والضوضاء فيه.

 

 سكنت الحي وجوهٌ غير مألوفة، وتغيرت الواجهات المطلة على الطريق، واختفت الحدائق الصغيرة للبيوت، ليحل محلها كتل ضخمة من الإسمنت المسلح، الذي هجم على المساحات الخضراء فالتهمها، وطرد منها العصافير والحمام، وحتى النمل والديدان الصغيرة، فكأنه استعمار أتى على الأخضر واليابس، ومحا كل أثر للجمال، باسم التقدم والحضارة والتمدن!.

 

فأي تقدم هذا الذي يحرم الطفل من أن يفتح عينيه على بستان بديع، ووردة جميلة؟ أية حضارة تبيح القذارة باسم التجارة؟ وهل التمدن يعني القضاء على الحدائق الغناء؟ واقتلاع الأشجار الوارفة الظلال؟ وإبعاد الطبيعة الخلابة عن الشوارع والأحياء؟ فلا يلتمس الإنسان سحرها وجمالها إلا إذا انتقل إليها بوسيلة نقل ما خارج المدن وفي الأرياف؟ في حين تصبح (الطبيعة) في ذهن الأطفال درساً تردده شفاههم، ولا يجدون أثرا لها في حياتهم؟!

 

لم تحدث هذه التغيرات في شارع حمزة دفعة واحدة، بل صنعت مع تعاقب السنين، فكان كلما انتبه إلى تغيير ما؛ شعر بوخزة في قلبه، فإذا هدم بيت ليرتفع مكانه بناء جديد: مر بحالة اكتئاب عسيرة، لا يعزيه بالخروج منها، سوى بقاء نخلته صامدة شامخة، لا تصل الأيدي إليها، ثم إنه يدرك أيضا أن التغيير سنة من سنن الكون والحياة، فكان لابد أن يقبل بهذا مضطرا، طالما أنه لم يجد منه مفرا.

 

وقد حاول أن يغير من نفسه أيضا، بأن يقلل من وفائه للأحياء والجمادات، وينقص من اهتمامه بالروحانيات والرومانسيات، بل حاول أن يكون ماديا كأغلب الخلق حوله، لكنه لم يستطع، فمكانة النخلة وحدها في نفسه كمكانة الهواء الذي يستنشقه، ووجودها من وجوده، وهو لا يعلم تحديدا: لماذا يربط بين صمود النخلة وكبريائها بصموده وكبريائه!؟ فهي مادامت شامخة في السماء: فسيظل هو أيضا ماضيا في الحياة بعزم وشموخ ويقين.

 

تعود حمزة أن يأتي بأبنائه إلى ذلك الشارع القديم الجديد، فيقول لهم الواحد تلو الآخر:

 

- هنا كان بيتنا، وفي هذا المكان عمل جدكما وجدتكما على تربيتنا حتى كبرنا. في هذا الشارع لعبنا وجرينا، ومحل هذا الدكان كانت حديقة جميلة نتسلق أشجارها، ونأكل ثمارها، ونلهو مع عصافيرها، ثم ننام تحت ظلالها إذا غلبنا النعاس.

 

ثم يأخذهم إلى النخلة، وبعد لحظات صمت مهيبة يقول وعيناه تلمعان حبا وشوقا:

 

-هذه صديقتي الحميمة، عمتكم النخلة. صحبتني منذ صغري، رحل الأصدقاء عني إلا هي، لم تبرح مكانها حرصا منها على صداقتنا، ووفاء للحب الذي جمعنا، لم يبق لي من الأهل والأصدقاء غيرها فأحبوها كما أحببتها!

 

كبر الأطفال ورحلوا عن عشهم الصغير، وتجاوز حمزة الستين، فلم يأبه لسنوات عمره، مادام ضميره مرتاحا أمام ما أدى من واجباته، وربما تألم حين أحيل على التقاعد، بعد أن أفنى زهرة حياته في العمل، لكن هذا الأمر لم يحدث سوى وخزا يسيرا في قلبه، فقد حصل على حريته أخيرا، وأصبح بإمكانه التفرغ لهواياته الكثيرة وأشغاله الخاصة التي طالما أجلها. وتعجب من نفسه: كيف لم يشعر بطعم الحرية إلا بعد الستين!؟ بعد أن تحرر من عبء الأولاد، ونظام العمل، وروتين الذهاب والإياب في وقت محدد طوال سنوات.

 

بعد الستين شعر حمزة بأنه حر حقا، ويستطيع أن يفعل ما يشاء متى أراد، وتجددت الحياة في عروقه، وأمده شعوره المتزايد بالحرية: بقوة كبيرة وإرادة صلبة. فذهب مع زوجته في رحلة إلى البحر يقضي الساعات الطوال في التأمل والتفكير وهو جالس على الشاطئ، يرقب طلوع الشمس خلف تلك الطبقة المائية الزرقاء التي تخفي تحتها عالما عجيبا وغريبا، ثم يقف في المساء منتظرا الغروب بلهفة وشغف الصغار، أمام عالم كبير لا تسعه عقولهم الصغيرة الساذجة.

 

 لقد كبر حمزة حتما، واكتسح البياض شعره، وبدأ الوهن يدب في عظامه، لكنه بقي منبهرا بالأشياء حوله كأنه يراها أول مرة، وظل قلبه ينبض نبضات الدهشة والشغف كأنه مقبلٌ على الحياة لا مدبرٌ عنها، مكتشفٌ أسرارها الكامنة، لا خبيرا بما تحمله وتخفيه. مضت أيام عطلته سريعا، فعاد إلى بيته بنفس جديد، وما إن وضع حقائبه حتى خرج على عجل ليرى صديقته.

 

اقترب من الحديقة الوحيدة المتبقية في ذلك الشارع فهاله ما رأى، لقد صرخ ملء فيه: "أين الحديقة؟". وأسرع الخطا فإذا به أمام منظر زلزل كيانه بعنف، وهزه حتى إنه عجز عن الوقوف، فجثا على ركبتيه ينظر بعينيه ولا يصدق ما يراه. لقد كانت نخلته ممدة أمام الحديقة كأنها عملاق جبار، هوى من السماء ليلقى مصرعه على الأرض!. النخلة التي وجدت قبل أن يوجد هو: اقتلعت من جذورها؛ لتلقى حتفها في لحظات، قصار فكأنها لم توجد يوما. وأخذ يتحسسها عساها تنبض بالحياة كما كانت، عساها تقول له شيئا، لكنها كانت ملقاة على الأرض بلا حراك! لم تعد تصلح لشيء كالميت الذي لابد من الإسراع بدفنه إكراما له، مهما كان حبنا له وتعلقنا به. والتفت حوله. لقد نزع السياج الغليظ الذي حمى البستان سنوات طويلة، واختفت كل تلك النباتات الجميلة والأشجار المثمرة، ولم يبق غير التراب يشكو فعل الإنسان. وتكوم أمام البيت عدد كبير من مواد البناء المختلفة، تتهيأ لتأخذ مكانها في الأرض الجرداء.

 

اقترب منه أحد الجيران القدامى وقال لحمزة واضعا يده على كتفه:

 

"أعرف ارتباطك الوثيق بهذه النخلة، كلنا نحبها ونعتبرها سرا من أسرار سعادتنا، وسببا من أسباب بقائنا، لكن صاحب البيت - سامحه الله- يقول: إنه أجبر على اقتلاعها ليبني مشروعا هاما في هذا المكان، سيدر عليه أرباحا كبيرة. إنها أرضه ولا يستطيع أحد منعه".

 

جلس بجوار حمزة، ثم واصل يقول بأسى بالغ:

 

"لم يقتلعوها بسهولة، كان لابد من إحضار جرار كبير، وآلة حفر ضخمة: قضت اليوم كله وهي تحفر في الأرض لتصل إلى جذور النخلة. عشرات السنين وهي تقف بشموخ وكبرياء، ثم تقتلع في يوم واحد!. ما أظلم الإنسان!. ما أكفره!.

 

لم ينبس حمزة بكلمة واحدة!.. ماذا تفيد الكلمات وصديقته ملقاة على الأرض كما تلقى النفايات!. ليته كان هنا يوم قرروا قتلها. لكن ماعساه يفعل وهو لا يستطيع حمايتها منهم؟ على الأقل يحاول إبقاءها على قيد الحياة، فربما وجد من يسمعه، من يقدر قيمة هذه النخلة التي عاشت مع الأجداد والأولاد والأحفاد. فربما رقت القلوب، وتفهمت العقول، وكان إبقاؤها أهم من كل مشروع!..

 

ماذا تفيد ليت، وربما، ولو؟ أمام ما تراه عينه الآن!؟ لقد كانت أمله في الحياة، وها هو الأمل يتهاوى في هدوء إلى غير رجعة. نهض حمزة من مكانه، والتصق بالنخلة يضمها ويقبلها كأنه يودع عزيزا مات، وعيناه تذرفان دموعا غزيرة في صمت وسكون. فاقترب منه جاره وهو يقول متحسرا:

 

"إنا لله وإنا إليه راجعون. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أتبكي يا حمزة؟".

 

 ومازالا كذلك حتى سمعا صوتا كأنه دوي الرعد يقترب، نظرا إلى مصدره فإذا شاحنة كبيرة تتوقف عندهما، وما هي سوى لحظات حتى نزل منها عدد من العمال يجرون معهم سلاسل حديدية أسرعوا بلفها حول جذع النخلة، ثم حملوها إلى مكان مجهول، واجتمع حولهم أهل الشارع جميعا ليشهدوا آخر يوم من حياة النخلة العملاقة المعمرة.

 

كان الحزن باديا على أوجه بعض الناس، والدهشة على أوجه الآخرين لطول النخلة وضخامتها وسمك جذعها. أما حمزة فقد جفت الدموع في مآقيه، وتحجرت مشاعره في صدره وهو يلقي النظرة الأخيرة على صديقة العمر، ورفيقة درب الحياة.

 

عاد إلى بيته حزينا مكتئبا، وأحس بقلبه ينزف بين ضلوعه، فقد تحولت كل تلك المشاعر البيضاء من التفاؤل والأمل إلى مشاعر سوداء من التشاؤم واليأس. واستحال عزمه وإرادته التي استشعرها قبل ذلك اليوم إلى ضعف ووهن، فشلت حركته ولزم الفراش أياما عديدة. وتعجب الطبيب من حالته، إذ ليس به مرض عضوي واضح؛ رغم ما يبدو عليه من هزال وضعف، وشرود وزهد في الحياة.

 

واجتمع حوله أولاده يواسونه؛ عساهم يخففون عنه بعض ألمه لفقده نخلته، لكن الوالد لم يكن يرى صوب عينيه إلا صورة النخلة وهي ممددة على الأرض، ثم وهي تجر بتلك السلاسل الحديدية الغليظة، وهو عاجز عن فك أسرها بعد موتها.

 

ومما كان يؤلم حمزة حقا، شعوره القوي أن المصير الذي لاقته النخلة في حياته وأمام ناظريه: سيكون مصيره أيضا! لقد استسلم لما استشعره من قرب أجله، ولم يحاول دفعه عنه، بل أغلق عينيه عن الوجود بأسره منتظرا اللحظة الحاسمة.

 

لم تمض سوى أسابيع قليلة، حتى وجد حمزة في سريره ميتا، وتحت وسادته عثر أولاده على ورقة صغيرة كتب عليها:

 

"صديقتي النخلة: ها أنذا ألحق بك!".

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...