صديقتي من الذهب

عالم الأسرة » همسات
19 - محرم - 1436 هـ| 12 - نوفمبر - 2014


1

تجمعنا في غرفة الطبيبات، نسحب خيط طائرة ذكريات الغربة، ووفاء الصديقات، وبدأنا ننثر أصدافا حول ‫‫كيف كانت روابطنا، مع من تقاسمنا معهم الخبز، وغمسناه معا في حلو الغربة ومرها.

‫‫‫حان دوري، واشرأبت الأعناق إلي:

حدثينا عن صحبة العمر الجميل، عن رفقة بهم الحياة تطيب، عن سند تستند إليه الروح فتستريح.

فأجبت:

ـ مثلكن أنا، كان لي صديقات من الورق، وصديقات كالحرباء،لكنني نويت أن أنخل حياتي في منخل، لتطفح الذكريات الجميلة على السطح فأتأملها، وأستمتع باستعادة ذكراها طوال حياتي، أما ما يكدر الخاطر، فهو مثل زبد البحر يذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، تسألنني عن صديقتي .

صديقتي من الذهب، جمعتنا الغربة في سكن الطالبات، وكما قيل: إذا أردت أن تعرف الشخص جيدا، فسافر معه، فكيف إذا امتد سفرك لسنوات طوال.

صديقتي:

كل شيء فيها مختلف عني، ماضيها وحاضرها، لا نتشابه في  شيء، لا في الطعام و لا الشراب ولا حتى في اللباس، هي قدمت من خلفية ثقافية وفكرية لا تتطابق البتة من حيث أتيت. لا أدري ما السر الذي جذبني في هذه الفتاة دون غيرها، ثم  أبان  لي الزمان سر تشبثي  بعلاقتي بها، وتراخ شغاف القلب عن صداقات كثيرة.

كنت ألمس فيها عاطفة صادقة، واضحة، يسيرة،تحب الخير للآخرين مهما كان الآخرون، مهما كانت ديانتهم أو جنسياتهم، وتحاول جاهدة مساعدتهم وفورا، ودون تردد، تبادر وبكل عفوية، رأت عاملا في البرد القارص دون معطف، في اليوم التالي قدمت له معطف أخيها، ذاع صيتها، فتكالب عليها الناس، فمازالت تقضي حوائجهم بما تستطيع، ولكن إذا كانوا يكفرون بنعم الخالق الذي خلقهم من العدم، فكيف يحفظون ود البشر .

دخلت عليها مرات كثيرة، فإذا هي تشكو ظلم من أحسنت  إليهن يوماً، ولكن سرعان ما  تنسى، ثم تعود وتساند من  أساءت إليها، حين أذكرها  بطعناتهن الغادرة، تبتسم :

ـ ومن قال لك إنني أريد منهن  جزاءً أو شكورا، أنا أنتظر الجزاء ممن هو أكرم منهن.

ـ لا أقصد ذلك، القضية ليست في الشكر، المسألة في الطعن و الأذى منهن، سيرين إحسانك  ضعفا، وسيتطاولن عليك،  ويؤذينك مرة أخرى،وسأدخل عليك وأنت تبكين من شدة قسوتهن عليك.

 
ـ صدقت، وهنا يكون دورك يا صديقتي، أن تذكريني بالله، وأن أحتسب إيذاءهن لي، فمن غير المعقول أن نتوقف عن الإحسان إلى الآخرين؛ لأنهم ينكرون  الجميل، يجب أن يستمر عمل الخير، ولا نجعل الشيطان ينتصر علينا.

وهكذا كان حالي معها، أحذرها من الطيبة الزائدة، وتصر عليها،واستمرت السنوات الطوال، لا يعدو مجلسنا عن اثنين   إما أن تحدثني عن معاناة  الأخريات، وكيف تفكر وتخطط للتخفيف عنهن، أو أقوم أنا بالتخفيف عنها من معاناتها مع الأخريات اللاتي أحسنت إليهن، واستمر حالي معها على هذا المنوال، فعجبت لصبرها وتحملها،وكنت دائماً أردد مالك ومال الناس وأذاهم،اتركي الخلق للخالق،ليسوا أهلك، ولست ملزمة بتحمل أذاهم،واستمرت صديقتي عبر هذه السنين في الإحسان إلى الناس رغم أنها أكثر الناس انشغالا،بل كانت تتلمس احتياجاتهم، وبتخفٍ، ودون أن تجرح مشاعرهم.

 
اختلفت مراراً معها، واجهتنا الكثير من الصعاب، عرقلتنا المعوقات، لكن صداقتي معها كانت مثل الذهب،لكنني كنت مدركة لقيمة صديقتي الذهبية التي وقفت بجانبي في أيام  لم يكن معيناً لي غير الله تعالى.

والبعض قد يختلط عليه الذهب الأصلي،  فلا يفرق بينه وبين  التقليد، وقد ينخدع بلمعان بارق وظاهر فتان  للذهب التقليد،  لكن سرعان ما ينطفئ ذلك البريق، وتظهر حقيقته الشهباء.

فالذهب الأصلي هو الذي يزداد صلابة كلما طرقته، و يزداد صفاءً  كلما حرقته، و يزداد قوة كلما صقلته، و يزداد لمعانا وبريقا كلما حككته، وتزداد قيمته على مر الأيام، ويرتفع سعره،تلك هي صديقتي.  

نعم، صديقتي من الذهب.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...