صديقتي من تكون؟؟

تحت العشرين » صوت الشباب
25 - رجب - 1440 هـ| 01 - ابريل - 2019


1

رجع بي الزمن إلى الوراء ... و تخيلت صورا قديمة ... لم أعش تفاصيلها بالفعل ، و لكني أحببتها ... تمنيت رفقة أناس من تلك الأيام الخالية .. فجدتي ما زالت تحدثنا عنها كلما أتينا باسم صديقتها ، قائلة : " إيه (  فلانة ) رفيقتي كنا أنا و إياها ... " و تبدأ بسرد أجمل الحكايات ، حينئذ أنتهز الفرصة وأصر على أن تحكي بعض مواقفها مع رفيقة دربها ..

ما زلت أسأل نفسي مراراً و تكراراً .. لماذا تسلب حكايات جدتي مع صديقتها جل اهتمامي ؟ !!!!! .. هل لأن عهود الصداقة قد ضيعت طرق السلامة ـ في  وقتنا هذا ـ أم ماذا جرى ؟ !!! ، لماذا نبحث بين القصص و الروايات عن الصديق الوفي .. حتى وإن كان أسطورة ؟ !!!

تساؤلات و تساؤلات أكثر ... تنبع من حرص استقر داخلي ، لأن للصداقة في قلبي تقديرا وحبا احتراما، فلا غنى لإحدانا عن صديقة تمسك بيدها في طرق الحياة و متاهاتها الشائكة و الممهدة ... تتقاسمان الحلو والمر ، دون أي طارئ في النفوس .

فهذا الإمام علي رضي الله عنه يوصي ابنه: بني : الصديق ، ثم الطريق ، فمن دون أصدقاء كيف يستطيع المرء أن يجتاز العقبات في هذه الحياة؟ وكيف ينجح إنسان لم تكن له علاقات اجتماعية تعينه في تحقيق ذلك ؟!

للصداقة أهمية كبيرة في حياة الإنسان ؛ حيث تشعره بالحب والمشاركة الوجدانية، والتنفيس عن بعض المشاكل والهموم، وتلقي المساعدة وقت الشدة ، والمساهمة في التطور والتقدم ، وإعداد الشخص لمواجهة المجتمع ، هذا بالإضافة إلى المرح والترفيه وإدخال السعادة والبهجة على النفس .

وقد أكدت الدراسات النفسية اقتران افتقاد القدر المناسب من الأصدقاء بالعديد من مظاهر اختلال الصحة النفسية والجسمية، كالاكتئاب والقلق والملل وانخفاض تقدير الذات والتوتر والخجل الشديد والعجز عن التصرف المناسب عندما تستدعي الظروف إلى التفاعل مع الآخرين، بالإضافة إلى ضعف مقاومة الأمراض الجسمية والتأخر في الشفاء.

وقد حث الإسلام على التآلف والمودة والأخوة ، فقد آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، لكن الإسلام وضع الأساس الصحيح للصداقة وهو الحب في الله ، يقول الإمام علي رضي الله عنه: (خير الأخوان من كانت مودته في الله). وجاء في (لسان العرب) لابن منظور: الصداقة من الصدق ، والصدق نقيض الكذب. وبهذا تكون الصداقة هي صدق النصيحة والإخاء ،

 لذا على الفرد أن يكون حذرا في اختيار أصدقائه؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) ، وقد حذر القرآن الكريم من السقوط في شرك (قرناء السوء) فيقول الله تعالى : (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين) .

إن الصداقة قضية اختيار، ولا يجوز أن تتركي مسألة اختيار صديقاتك للصدفة ، فعلى الإنسان أن يحسن اختيار أصدقاءه ، وفي هذا الصدد يشير علماء النفس إلى بعض الأمور والمعايير التي لابد وأن يأخذها الشخص بعين الاعتبار عند اختيار أصدقائه ، كالتقارب في السن ، وتوافر قدر من التماثل بينهم فيما يتعلق بسمات الشخصية والقدرات العقلية والاهتمامات والقيم والظروف الاجتماعية مع مراعاة الدوام النسبي والاستقرار في الصداقة ، فالأسفار والرحلات القصيرة ليست مجالا خصبا لتكوين صداقات حقيقية دائمة.

وبما أن الصديق له الأثر الكبير على حياة الفرد والمجتمع ، فلابد أن نختار من تكون تأثيراته محمودة، فالواجب أن لا نبحث عن الصديق فحسب، بل عن الصفات التي يتمتع بها، ومن أهم الصفات التي أكد الإسلام على ضرورة توفرها في الأصدقاء العلم والحكمة والعقل والزهد والخير والفضيلة والوفاء والخلق الكريم والإخلاص والأمانة والصدق.. إلخ.

 ويضيف علماء النفس إلى هذه الصفات الثقة بالنفس وكل ما يوحي بالقوة والاستقلال والميل إلى الحياة الاجتماعية، مع خفة الظل والانبساط والاعتناء بكل ما هو محبب، فضلا عن الصفات الإيمانية ، وبذلك فإن الصفات التي أكد عليها الإسلام الحنيف تتفق في معظمها مع الصفات التي أكد عليها علماء النفس فالصداقة في كل الأحوال لابد أن تكون قائمة على الخلق الإنساني الرفيع .

 من هنا فإن الصداقة لا تعني مجرد اتصال اجتماعي ، وتبادل خدمات ومنافع، وإن كان في الصداقة تعاون وعطاء متبادل، إلا أنها هدف مقدس، لا وسيلة تجارية رخيصة. فعلينا أن نستعمل الأدب والذوق والعقل والقلب والضمير في إقامة الصداقات وإيجاد الأصدقاء.

كتبت إحدى الصديقات سؤالا خطته في آخر صفحات دفتر محاضراتي : (صديقتي من ؟؟؟؟) ، فأمسكت بقلمي و كتبت :

" صديقتك من تصدق معك دوماً ، و تدوم العشرة معها .. حولاً ... حتى تمضون الأيام .. حملاً .. فتسعدي بالحب و الإخلاص ، و تختلفي بصداقتك معها بحق يميزكم ، عن بقية الأشخاص .. "

وأخيراً ..

إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة             فلا خير في ود يجيء تكلفا

 

و لا خير في خل يخون خليله            و يلقاه م بعد المودة بالجفا

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...