صورة أبنائك لدى الآخرين، كيف ترسمُهَا؟ لها أون لاين - موقع المرأة العربية

صورة أبنائك لدى الآخرين، كيف ترسمُهَا؟

دعوة وتربية » نوافذ
07 - شوال - 1439 هـ| 21 - يونيو - 2018


1

أعزائي المربين والمربيات: أهلا بكم جميعاً.

هل دفعك الضجر من أخطاء أبنائك يوماً، إلى أن تشتكيهم لأصدقائك أو جيرانك، وكل من قابلت وجالَسْت؟

هل يطربك الحديث عن الزمن الجميل الذي مضى، وعقد المقارنات بين جيلك وجيل الأبناء في الطاعة والانقياد لأوامر الوالدين، وتحمل العقوبات القاسية، وكيف أن هذا الجيل صعب المراس، لا تستطيع أنت وزملاؤك السيطرة عليهم تربويا!

إذن تعالَ إلى هذه السطور، لنتوقف عن هذا السلوك الخاطيء، ولنبدأ صفحة تربوية جديدة مع أبنائنا.

 

أعزائي المربين:

في خضم الحب المتدفق والاتصال الفطري بين أرواح الوالدين وأبنائهما من ناحية، واضطلاعهما بمهمة التربية، والتي تقتضي كثرة تعاملهما مع أخطاء الأبناء وتصحيحها: ينسى كثير من الآباء والأمهات أن للأبناء شخصية مستقلة وكرامة منفصلة يجب على الوالدين احترامها، والحفاظ عليها، وعدم إهدارها، سواء فيما بينهما وبين الابن أو أمام الناس.

ومن أكثر ما يؤذي الأبناء في هذا الجانب: هو كثرة شكوى الوالدين منهما أمام الآخرين، ونقل أخطائهم ومشاكلهم خارج نطاق الأسرة. الأمر الذي يسبب لهم حرجاً بالغاً يتولد عنه أمران:

أولاً: شعور الحنق والضيق من تصرف الوالدين، الذي يرى فيه الابن تعدياً بالغاً على خصوصيته، وإهداراً لكرامته.

ثانياُ: شعور الابن بالدونية، وافتقاده للثقة بالنفس، نتيجة إحساسه بالتعري المعنوي أمام الآخرين، وأن الناس ينظرون إليه على أنه ـ فقط - مصدر قلق ومشاكل لوالديه وأسرته.

 

وحتى نصل إلى العلاج نتساءل:

لماذا يشكو الآباء والأمهات من أبنائهم للآخرين؟

   قد يصدر ذلك عن كثير من الآباء والأمهات، ليس عن تعمد إيذاء الأبناء، ولكن جهلاً وضجراً أو تساهلاً و تندراً.

- جهلاً منهم بحرمة الطفل المسلم، التي لا ينبغي أن تُنْتَهك، حتى وإن كان هذا الطفل ابناً لهم؛ مما يعني أن الحديث عن أخطاء الطفل مع الغير ـ سواء في حضوره أو غيابه ـ لا يَحِلُّ بغير وجهٍ مقبولٍ شرعاً، وكذلك جهل المربي بطبيعة التربية، وأنها مسؤولية ليست بالهيّنة، تحتاج من المربي إلى استعانة بالله تعالى، ودعاء مستمر للأبناء، واصطحاب الصبر والنفس الطويل. إلى جانب أهمية تثقيف المربي لنفسه بالمعارف التربوية، وهذا الأمر أصبح ميسوراً في زماننا، عبر وسائل الاتصال الحديثة.

- أو تساهلاً في تقدير المردود التربوي على الطفل لهذا التصرف، فهم لا يتصورون أن حديث الأب أو الأم بأخطاء ولده، وإعادة سرد ما صدر منه أمام الآخرين: من شأنه أن يحطم نفسيته، ويفقده الثقة ويترك ذلك الحديث في نفسه أثراً بالغ السوء.

- أو تندراً بمعنى اتخاذ أخطاء الطفل كنوادر وحكايات يُتندر بها في المجالس، من أجل الإضحاك والتفكه؛ مما يثير في نفس الطفل ـ إن كان حاضراً ـ شعوراً بالغاً بالتعدي على خصوصيته وإفشاء أسراره.

 

ما هو رد فعل الآخرين إذا شكوت من أبنائك؟

إذا لم ينتبه المربي، وظلّ يردد عبارات التذمر والشكوى من أبنائه أمام الآخرين، فقد يتعاطفون معه؛ لكنه سيرسم بيديه صورة ذهنية سيئة عن أبنائه، وسيكبر الأبناء متجهين إلى الرشد والنضوج، وسلامة التصرفات، ولكن للأسف تظل هذه الصورة السلبية عالقة في أذهان المستمعين القدامى!

 

ما هي مناطق الحذر والخصوصية عند الحديث عن الأبناء؟

-  الحديث عن تصرفات الطفل الإنسانية وهو صغير لا يعقل، والمواقف المحرجة التي سببها لك. 

-  مشاكله الدراسية (مستواه – مشاكله مع المدرسين أو مع زملاؤه – وهكذا).

-  مشاكله الصحية، وخاصة إذا كان من أصحاب الإعاقة أو ذوي الاحتياجات الخاصة.

-  مشاكل المراهقين، وهذه من أهم المراحل التي تتطلب وعي المربي وحكمته في التعامل مع الأبناء، حيث يندر أن تمر مرحلة المراهقة بغير متاعب، والتي عادةً ما تتسم بالحدّة والغرابة والفضول، والتمرد؛ مما قد يجلب الكثير من المشاكل للأهل، وكلما كان الوالدان أكثر تفهّماً لطبيعة المرحلة وخصائص النمو فيها: كانا أقدر على تقبل تصرفات الأبناء والتعامل معهما بصبر وحكمة. بدلاً من حكايتها وسردها تساهلاً أو عجزاً عن علاجها.

 

ويبقى السؤال: كيف يتخلص المربي من هذا السلوك الخاطيء تجاه أبنائه؟

-الصبر والدعاء

إنّ فضيلة الصبر من أهم الأخلاق التي يلزم المربي أن يتحلى بها: حتى ينجح في عمله، فالتربية رحلة طويلة ممتدة، تستمر إلى أن يلقى المُرَبِي ربَّه، فتربية الأبناء ـ خاصة في زماننا - ليست سهلة نظراً لكثرة التحديات والمتغيرات التي تملأ مجتمعاتنا، وتلك الثقافات الوافدة التي باتت مفتوحة على الأبناء من كل حدبٍ وصوب، ولن يستطيع المربي قليل الصبر، ضحل المعرفة، المتسرع بالشكوى أن يؤسس أبناء يمتلكون شخصيات إسلامية قوية ومتميزة تستعصي على الاختراق، وعماد المربي في اكتساب الصبر، وفي كل أمر هو دعاء ربّ العالمين، كما علمنا الله تعالى في كتابه العزيز من خبر أنبيائه الكرام وعباده الصالحين: أنهم كانوا يعتنون أشد العناية بالدعاء والتضرع من أجل صلاح أبنائهم، ويلتزمون بذلك دائماً، بل مدح الله تعالى عباد الرحمن بتلك العناية وذلك الاهتمام، قال تعالى: "وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا "الفرقان:74.

 

-التصحيح المباشر للأخطاء وطيّ الملفات

الطريق الصحيح للتعامل مع أخطاء الأبناء: هو أن يتفهم المربي أن صدور الخطأ عن الابن أمر طبيعي؛ لأنه بدون خبرة ولازال يتعلم، بل إنه يكتسب معظم خبراته الحياتية من خلال الخطأ والصواب، والطريقة الصحيحة للتعامل مع أخطاء الأبناء هي تصحيح الخطأ فوراً متى ما وقع من الابن، بحب ورفق ووضوح، وبدون تبكيت أو تجريح، ثم إلى التصرف السليم، ودعوته إلى التوبة إن كان خطؤه مما يُعدّ ذنباً.

يقول الإمام الغزالي ـ رحمه الله ـ في هذه المسألة: "فإن خالف في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه، ولا يهتك ستره لا سيما إذا ستره الابن، واجتهد في إخفائه، فإن إظهار ذلك عليه - أي فَضْحه والتشهير به - ربما يفيده جسارة حتى لا يبالى بالمكاشفة، فعند ذلك إذا خالف ثانياً، فينبغي أن يعاقب سراً ويعظم الأمر فيه".

وخير قدوة يتعلم منها المربون هذا الأسلوب هو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع خادمه "أنس بن مالك" ـ رضي الله عنه ـ الذي كان بمنزلة ولده وتربى في بيته عشر سنين، عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ خدمت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عشر سنين، والله ما قال لي "أف"، ولا: "لم صنعت؟"ولا "ألا صنعت"(رواه البخاري في كتاب الأدب)، وفي رواية: "فما أمرني بأمر فتوانيت عنه، أو ضيعته فلامني، فإن لامني أحد من أهل بيته قال: "دعوه فلو قدّر أو قضي أن يكون كان".

 

وأخيرا عزيزي المربي:

إنّ مظاهر الرفض لتصرفات الأبناء الغير لائقة: يجب أن تكون أقل حدة؛ لئلا نخرجهم من نطاق حبنا وقبولنا لهم بكلمة تقال في لحظة انفعال غاضبة. فكرامة الأبناء إنما يصنعها الآباء ويؤسسون لها، من خلال حديثهم عنهم مع الآخرين وإبداء رأيهم فيهم أمام الناس، وشكواهم منهم من عدمها، وهل يسعدون ويفتخرون بهم ـ كما هم ـ أم يشعرون بالضجر والتأفف من وجودهم في حياتهم؟

فلتطمئن ـ عزيزي المربي ـ سيكبر الأبناء وسيصلون بأمان إلى رشدهم، وعندها ستتذكر كل قيمة إيجابية. كنت قد غرستها فيهم، وكل خلق حسن قد علمتهم إياه مندهشاً من نضجهم ودماثتهم، فلتسعهم أحضانك، ولتظللهم بجناحيْ الصبر والرحمة، ولتكن أخطاؤهم ومتاعبهم هي سرّك الذي لا تفشيه لأحد ـ إلا مستشيرًا - ، فهم بضعة منك تمشي على الأرض. أسعدنا الله جميعا بأبنائنا.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...