ضوء الأمل في الشعر العربي!

أدب وفن » آراء وقراءات
06 - رجب - 1439 هـ| 23 - مارس - 2018


1

ما أكثر زفرات الأسى التي تسرى في ديوان الشعر العربي كنهر لا تجف ينابيعه، ولا تنفد أسبابه، وكأن النفس الشاعرة مطبوعة على الفقد والفراق والبكاء على الأطلال!

 

هذا التيار وإن كان يجد في نفس الملتقى استجابة، ويحدث معه التداعي، بما يجعل كل قارئ أو سامع يبكى على ليلاه، فإن هذا اللون من الشعر يورث القعود، ويذهب الحماسة والرغبة في الانطلاق، والنهوض من جديد.

 

 كما أنه يخالف روح الإسلام التي تدعو إلى الإشراق الداخلي الدائم، وكبح الأحزان المقعدة وعدم الاستسلام لها، واستصحاب الحزن النبيل والشعوار الإنساني الفطري، بما يكون شرارة جديدة للمضي في الحياة وتعويض ما فات.

 

وقد كان رسولنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعو للتفاؤل، فها هو يقول للمسلمين: "أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ"رواه مسلم في صحيحه، ويقول:"يُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ"متفق عليه.

 

ولأن ضوء الأمل والتفاؤل في الشعر: يكاد يكون شحيحا، فإن أشهر أبيات الأمل والدعوة للتوكل على الله: مجهولة المؤلف، ولا يعرف قائلها، رغم ما فيها من سلام نفسي، وثقة في الله، والشعور القوي باللجوء إليه فالشاعر يقول: 

دعِ المقاديرَ تَجْري في أعنَّتِها

ولا تبيتَنَّ إلا خاليَ البالِ

ما بين غَمضةِ عينٍ وانتباهتِها

يُغيِّرُ اللهُ مِن حالٍ إلى حالِ.

 

وهناك الكثير من الأشعار الداعية للجوء إلى الله، وطلب التخلص من هموم الدنيا وأثقالها كما في هذه الأبيات:

يا صاحبَ الهمِّ إنَّ الهمَّ مُنْفَرِجٌ

أَبْشِرْ بخيرٍ فإنَّ الفارجَ اللهُ

اليأسُ يَقْطَعُ أحيانًا بصاحِبِهِ

لا تَيْئَسَنَّ فإنَّ الكافيَ اللهُ

اللهُ يُحْدِثُ بعدَ العُسرِ مَيْسَرَةً

لا تَجْزَعَنَّ فإنَّ القاسمَ اللهُ

إذا بُلِيتَ فثقْ باللهِ، وارْضَ بهِ 

إنَّ الذي يَكْشِفُ البَلْوَى هو اللهُ

واللهِ مَا لَكَ غيرُ اللهِ مِن أحدٍ

فحَسْبُك اللهُ في كلٍّ لكَ اللهُ

 

أما الشاعر الطغرائي الأصفهاني، صاحب ديوان الإنشاء للسلطان محمد بن ملكشاه فيقول في لامية العجم:

أعللُ النفس بالآمال أرقبها

ما أضيق العيش لولا فُسحة الأمل،

 

ولا يغيب التفاؤل وطلب الأمل عن شعراء العصر، فهذا الشاعر ربيع شملال يقول: 

إذا ما الكون أطرق في ذهولٍ

وردّد شاخصاً نغمَ الركودِ

وغطتْ شمسَه سحبٌ فغابتْ

بسحرِ بكورها العذب الرغيدِ 

وأمسكتِ الأشعةَ أن تضاهي

وفودَ النحل تعبثُ بالورودِ

إذا بلعَ النسيمَ الزّهرُ بخلا

وأضْربتِ البلابلُ في شُرودِ

ألا يا شمسُ اكتئبي ففوري 

ألا يا أرضُ انفعلي فميدي

أمَا إني بهذا لا أبالي

وكيف؟.. وهاهنا صبرُ الحديدِ

وكيف؟.. وفكريَ المأسورُ قهراً

عزيزُ الرأي في السرِّ المديدِ 

وكيف وها أنا حرّ طليقٌ

أسافرُ في القريبِ وفي البعيدِ

وفيَّ شعور عصفورٍ تسامى 

بأحلامي كأنغام النشيدِ

وفيَّ تُغرِّد الأشواق سَكْرَى

كأطفال تلاقوا يوم عيدِ

 

انظر إلى الشاعر حين يعدد الأسباب الداعية لليأس والقنوط، والحزن السلبي الذي يدعو للانسحاب من الحياة، ومع ذلك فهو يواجه كل هذه الأسباب، وكأنها جيوش من الإحباط بالصبر واليقين في الله، الذي منحه نفسا حرة طليقة، مع عصفور غريد يسافر في القريب وفي البعيد، وتغرد أشواقه التي لم يضربها اليأس كأشواق الطفولة يوم العيد.

 

ثم يؤكد الشاعر على: أن التفاؤل يسري في دمائه كتخايل السرور والبسمات على الوجوه السعيدة، وأن السلام والحبور يسكن نفسه ويشع منها، ويسكنها الجمال.

دماء الفأل تسري في فؤادي

كرفرفةِ السرورِ على الخدودِ

وقد سكنَ الحبورُ قرارَ نفسي

كما لثمَ الجمالُ فمَ الوجودِ!

 

أما الشاعر مصطفى الغلاييني: فيؤكد أن بقاء الأمل في النفس كالماء الذي يحيي النباتا، ويعد إليها النضارة والبهاء، وأن التفاؤل ينعش في النفس ما ذبل، وأن ذلك كله يكون مصحوبا بالصبر الجميل:

إِنَّ للآمالِ في أنفسِنا

لذةً تنعشُ منها ما ذَبلْ

لذةٌ يحلو بها الصبرُ على

غَمَراتِ العيشِ والخَطْبِ الجللْ

 

وهذا الشاعر عبدربه الملجمي يدعو الناس لقطع الأمل عما دون الله تعالى، فالأمل في الله وحده هو الزاد الباقي، وهو رفيق الطريق في الحياة الدنيا.

وإن كانت تقلبات الناس غير مأمونة، فإن معية الله خير صاحب، وفيها الأمان والسكينة:

الأمل بالله باقي والبشر لا لي أمل

البشر هانوا وخانوا واستكانوا للخلل

عاهدونا خالفونا عاملونا بالحيل

وكلما قلنا يعودوا للمبادى والمثل

لم يعودوا بل تمادوا وارتموا نحو الوحل

وكل مراً في نظرهم كان أحلى من العسل

الأمل بالله باقي والبشر لا لي أمل

 

فكونوا على أمل.. و"يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا"متفق عليه.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...