طيوبة

عالم الأسرة » همسات
22 - ذو القعدة - 1432 هـ| 19 - اكتوبر - 2011


1

كانت طيوبة رمزاً لمعاناة الأبناء حين يتخلى أبوهم عنهم؛ فتكون المأساة، ليشكلهم الشارع كيف يشاء، فالشارع أبوهم، والشارع أمهم والشارع خالهم والشارع عمهم، فضلا عن ذلك كانت طيوبة محرومة من أعظم نعمة يتصورها إنسان!

 كانت طيوبة متخلفة العقل، والحكمة في ذلك عند الله! أمها كانت تبيع الكسرة في سوق عطبرة، ترك والدها البيت وهرب، لذا فإن طيوبة كانت تعيش في داخلي منذ الصغر وتركت في نفسي أثرا، لأن المجتمع قسا عليها أيضا ولم يرحمها، نعم قليل هم الذين أشفقوا عليها، وكثير هم الذين طمعوا فيها وظلموها، طيوبة حملت سفاحا من ذئب بشري عاقل! وجاءت بطيوبة أخرى، لتمتد سلسلة الضياع والحرمان وتعيش مأساة أخرى تحملها طيوبة صغرى، هرب أبوها أيضا وخلفها في زمن القسوة و النسيان، طيوبة الكبرى حملت ثانية سفاحا، ولكن هذه المرة صرخت صرخة تصك آذان الكون وماتت، ذهبت طيوبة تبحث عن حقها عند المولي عز وجل، لينصفها في مشهد مهيب، و يوم رهيب، تذل فيه جباه، وترتفع فيه جباه، كنا نحسبها من سقط المتاع، ولم نفطن أنها كانت جندا من جند الله "وما يعلم جنود ربك إلا هو"سورة المدثر.

طيوبة يا وجع القلب القادم من رحم الأرض، طيوبة أرض بكر تركوها دون رعاية ورغماً من ذلك تحب الخضرة، تركت نهباً للأقوى فتارة تزرع غصبا، فتطرح وجعاً، و تحصد قهرا، طيوبة يا وجع الأرض وقهر الإنسان.

كانت طيوبة وردة الصباح، تزرع الأمل في الناظرين إليها بعيون شتى، ورغم اختلاف لون عيونهم وطريقة نظراتهم إليها، إلا أن لونها الأسمر كان يعكس بعض الضوء، فيحسر بعضا منه نظرات المارة فتنكسر إلي دواخلهم خجلا، كانت طيوبة تهدي كل المارة وردا يفوح عطره عبقا، إحدى تلك الورود تقول: أعطاك الله نعمة العقل فاحمد ربك، والأخرى تقول: لك بيت يؤويك وغطاء يحويك فاحمد ربك، وأخرى تقول: لك أهل.. لك أمل.. لك حلم.. فاحمد ربك.

كانت طيوبة وردة على قارعة الطريق تشع ألقاً يسر الناظرين، وعلى الرغم من ذلك كانت في نظرهم وردة على قارعة الطريق، فكر والدي في نقلها داخل أسوار منزلنا، قوبلت فكرته من جانب أصدقائه بأنها فكرة غير صائبة، فعيون الناس تراها ساقطة، وألسنة الناس تلغو فيمن يحنو عليها أو يؤويها، وانتصر الجميع على إرادة الخير القادم من قلب أبي، كبر والدي في نظري خاصة وأنني حينها كنت في مرحلة التشكيل الخطرة، كانت طيوبة الجرح الغائر في النفس والإحساس الملموس لظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وبرغم ضعفي الظاهر وقلة الحيلة كانت فكرة نقل الوردة من قارعة الطريق هدفا أسمى أسعى لتحقيقه، وعندما امتلكت القدرة على الفعل كانت طيوبة وردة الطريق قد ماتت. ولكنها تركت فينا جرحا غائرا وألماً موجعا كلما زرت عطبرة أو قادتني قدماي إلى مثواه.

عجيب قلب هذا الإنسان ذو اللونين، فأحياناً أبيض كما الحليب على فطرته، وأحياناً كقطع الليل يخيف أخاه الإنسان أسود.

طيوبة خرجت من رحم الأرض، سأل الناس أين الأب، فأشارت بإصبعها!.. قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا؟

من مسؤول عنكِ يا بنت الأرض؟

كانت تهمس دوماً  في أذني ... تشكو من وجع الأرض

كانت تطلب خبزاً ... وتقتات فتات الأرض

كانت تكتب في الأرض ... ازرع ظلما تحصد ألماً

كانت تكتب... ذهب الأب وجاء الكلب

كانت تكتب... الناس لونان ...أسود وضد.

طيوبة ملح الأرض.. طعم الشهد.. عين الطهر.. حلم الماضي .. نور الغد.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
طيوبة
-- أبو رزان - السعودية

23 - ذو القعدة - 1432 هـ| 20 - اكتوبر - 2011




قصة مؤثرة ومأساة محزنة.. رحمها الله وأبدلها خيراً مما أخذ منها..

هنا يأتي دور مؤسسات الرعاية الاجتماعية في أي بلد، بدلاً من أن يكون الراعي لها هو الشارع أو الذئاب الشرية..

بارك الله فيكم د. عبد الرحمن..

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...