ظاهرتا الديجافو & جاميفو

عالم الأسرة » همسات
29 - جمادى الآخرة - 1439 هـ| 17 - مارس - 2018


1

تُشكل المشكلات النفسية: هاجساً يسيطر على اهتمام شريحة كبيرة من المجتمع؛ مما يدفعهم للتساؤل عن كثير مما يعتريهم من أعراض غريبة يشعرون بها؛ لاعتقادهم أنها قد تكون مشكلة نفسية، أو عرضاً من مشكلة نفسية تحتاج للعلاج. فكثيراً ما يتساءل البعض بدهشة عن مرورهم بمواقف جديدة، وفي أثناء الموقف: يشعرون أنهم قد عايشوه من قبل، رغم أنه موقف لم يحصل من قبل. وكذلك الحال عند زيارتهم لبعض الأماكن الجديدة، فإنهم للحظة يشعرون وكأنهم قد زاروه من قبل. بالإضافة إلى تكرار الاعتقاد نفسه عند إحساسهم بانفعالات معينة.

وقد تمتد هذه الألفة لتُشعرهم بأنهم عاشوا هذه التجربة من قبل، ويعلمون ما سيحدث الآن! وهذه الظاهرة هي ما تُعرف بالديجافو، والتي تُشير إلى الإحساس بالألفة تجاه بعض المواقف والأحداث التي من المفترض أنها ليست مألوفة لدى من يواجهها. بمعنى أنه تم رؤية هذه الأحداث أو المواقف أو معايشة المشاعر من قبل، وهي كلمة فرنسية الأصل تعني (شُوهد من قبل).

ويعيش هذه التجربة نسبة كبيرة من المجتمع بشكل عابر في حياتهم، وتتكرر في فئة المراهقين بشكل خاص، غير أنها تتسبب بخوف وارتباك عند الشخصيات القلقة، أو ذات الاستعداد للقلق. وذلك لكثرة تفكيرهم وانشغالهم بها، وبما حدث بكل تفاصيله حتى تتسبب لهم في حالة من الفزع التي قد تُشغلهم عن مهامهم الحياتية وأعمالهم، فتصبح حالة تحتاج للعلاج، نتيجة ما استثارته هذه الظاهرة في أنفسهم. بينما هي في حقيقتها ظاهرة طبيعية، تحدث بشكل طبيعي لأكثر من نصف أفراد المجتمع، دون أن تكون لها علاقة بالمشكلات النفسية، كالفصام مثلاً كما هو معتقد. وقد اجتهد العلماء في تفسير أسباب حدوثها، وتناولتها الكثير من الجهات العلمية في محاولات لتفسيرها. غير أن كل هذه المحاولات مازالت قيد الفرضيات، ولم يثبت بالتحديد أحدها كمسبب رئيسي للديجافو.

وتعتقد فئة من الناس: بأنها عبارة عن حالة خاصة تميزهم عن الآخرين لذكائهم، أو لكونهم يمتلكون ما يشبه الحاسة السادسة التي يستدل بها على الأحداث من حولهم. بينما الحقيقة هي أنها لا علاقة لها بالحاسة السادسة، أو الذكاء فهي بسهولة: مجرد ظاهرة طبيعية تحدث لأسباب كثيرة، منها: ما تم تفسره بأنه متعلق بالذاكرة أو الرؤية في أحد العينين، أو لمرور موقف مشابه في الذاكرة البعيدة، كخبرة قديمة مشابهة للموقف الحالي في بعض تفاصيله، لكن لم تتمكن الذاكرة من استدعائه، فحصل الشعور بالألفة للموقف بشكل عام. أو لمعايشة حلم مشابه في المنام، يعطي مشاعر بتكرار الموقف لاختلاط الواقع بالحلم. وقد تزداد هذه الظاهرة عند من يعانون من بعض أنواع الصرع.

وعلى النقيض من الديجافو: ظاهرة الجاميفو، وهي حالة استغراب لمكان مألوف أو أشخاص معروفين ومقربين. وهي مثار للقلق أيضا لمن يشعر بها، وبشكل أكبر من سابقتها، خوفاً أن تكون مشكلة تتعلق بالنشاط العقلي، أو فقدان الإدراك (الخرف) بينما هي أيضاً ظاهرة طبيعية من المفترض التعامل معها، على أنها عابرة دون التدقيق فيها، وأن تكون مثاراً للانشغال بها. فالشعور بغرابة المكان أو بغرابة الأشخاص المقربين، أو بعض الأحداث الطبيعية المتكررة واليومية مجرد وهم. ويمكن أن تحدث بشكل تلقائي، عند التركيز في نطق كلمة معتادة أو تكرارها بطريقة واعية، أو قراءة آية تم حفظها من الطفولة، ويتم الآن التركيز عليها كلمة كلمة، عندها قد ينتاب شعور بالغرابة وكأنها ولأول مرة تمر على قارئها، بل قد يتلعثم في إكمالها، رغم تكرارها بشكل يومي أثناء الصلاة مثلاً. وهي أيضا كلمة ذات أصل فرنسي، كما هي الديجافو فرنسية الأصل، غير أنها تعني: لم يسبق له مثيل، أو الإحساس بالغربة اللحظي، أو لم يشاهد من قبل، أو أن المألوف غريب، وأياً كانت ترجمتها، فهي مثار للفزع والقلق لمن يعيشها كتجربة، دون أن يُدرك حقيقتها، كونه يُدرك أن ما يستنكره هو جزء من حياته، وتتكرر رؤيته بشكل مستمر، غير أنه يشعر بغرابته في هذه اللحظة.

والمشكلة الحقيقية ليست في ظاهرتي الديجافو أو الجاميفو، وإنما بطريقة التعاطي معهما والانشغال بهما، على أنهما من المشكلات النفسية أو العضوية التي تحتاج للتدخل العلاجي؛ للحد من تبعاتها وآثارها التي يمكن أن تحدث. غير أنهما في الغالب لا ينتجان عن حالة نفسية، بينما يمكن أن يصبح التشاغل بهما مصدراً للمشكلات النفسية، كالخوف والقلق وغيرهما. فإذا كانت هذه اللحظات هي مجرد وهم يحدث قبل رؤية الحدث، فإننا بتمسكنا به، وخوفنا منه: نكون قد تمسكنا بوهم لا يقدم ولا يأخر في حياتنا شيئاً. وأفسدنا واقعنا بأيدينا لا لشيء حقيقي يستحق التفكير والانشغال به، بل بوهم عابر. لذا يظل تجاهل هذا الوهم الذي يحدث من خلال الظاهرتين: هو خير ما نعمله، حتى لا نجعل لومضة عابرة بصمة مؤذية في أنفسنا.

ويبقى أن ندرك أن العقل البشري بديع الخلقة، ومعقد في التركيب والوظيفة، ورغم اجتهاد العلماء في محاولة تفسير بعض الظواهر التي تعتريه، إلا أنه يبقى لغزاً محيراً لهم؛ لما فيه من إعجاز للخالق، والذي لم يصل علم البشر لفك كل شفراته ورموزه، سواء المتعلقة في العالم الواقعي، وكذلك أيضاً ما يتعلق في عالم الأحلام، فسبحان من خلق فأبدع.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...