عدوى الأمراض النفسية!

عالم الأسرة » همسات
10 - شوال - 1434 هـ| 17 - أغسطس - 2013


1

لقد تقدمت العلوم والمعارف. واجتهد الإنسان في الاقتباس منها ليبني نفسه، ويقيم الحضارة والرفاهية له وللأجيال القادمة. وتحقق له شيء من مراده.

فالإنسان المعاصر أنشأ الحضارة والتقدم في الكثير ممن حوله. لكنه شرع يدفع الثمن من صحته النفسية والجسمية.

فكما أعطتنا الحضارة شيئاً من الرفاهية، إلا إنها تمادت في الإثقال على أنفسنا بمتطلبات تلك الحضارة. فبتنا نعيش في عصر الحضارة والقلق كوجهان لعملة واحدة لا ينفصل أحدهما عن الآخر.

فأصبح الأفراد يتمتعون بقدر من الرفاهية بنفس مقدار تجرعهم الاغتراب حتى عن أنفسهم. فبدأت تظهر بشكل واضح معالم الضغوط التي يعانيها الأفراد على صحتهم النفسية بشكل كبير. و الأمر اللافت للأنظار أن المرض النفسي لا يدخل بيتاً إلا وكثيراً ما يتساقط بعض أفراد العائلة تحت المرض نفسه أو ما يشابهه. فهل للعدوى دور في انتشار المرض؟

حقيقةً أن المرض النفسي يتبع عدة عوامل لظهوره منها: الاستعداد الوراثي و عوامل بيئية وتربوية. فكما أننا لا ننكر أن للجينات والوراثة دورا في الإصابة به، لكننا نستطيع وصفه بأنه مرض معدٍ قابل للانتشار حسب العاملين الأخيرين. لكن انتشاره لا يكون عن طريق الجراثيم والبكتيريا. فهو لا ينتقل بالعطاس أو المصافحة مثلاً، لكنه ينتشر عبر وسائل أخرى. ولتقريب الصورة أكثر سنسلط الضوء على الاكتئاب مثلاً. ولاستبعاد العامل الوراثي دعونا نسلط الضوء على زوجين من غير القرابة أصيب أحدهما بالاكتئاب. فإن الآخر سيصيبه في الغالب بعض المشاعر والأعراض الاكتئابية. كنوع من أنواع العدوى الفكرية والتعاطف نتيجة التفاعل الاجتماعي المباشر لفترة من الزمن. حيث يتبنى المكتئب مجموعة من الأفكار السلبية والمعتقدات السوداوية التي تمتزج، فتصنع الحالة الاكتئابية والتي بالتالي تنتقل إلى المحيطين عن طريق نقل تلك الأفكار المحبطة عن الذات و الحياة.. وظلام الحاضر والماضي والمستقبل بطريقة تزرع في فكر الآخر تلك الأفكار أو شيء منها، فيتبناها ويرتدي نفس نظارته القاتمة فيتجرع بعض مشاعره المكتئبة.

هذا بالنسبة للعامل البيئي.. و العامل التربوي يتبع المنهج نفسه، فعند تربية الأبناء على أفكار اكتئابية يعتنقها أحد الوالدين وقواعد صارمة محاكية لتلك الأفكار فإن الأبناء حتماً سيصاب بعضاً منهم بالعدوى الاكتئابية. أو رهاباً اجتماعياً نتيجة القواعد التربوية الصارمة والانسحاب الاجتماعي.

 وكذلك الحال في تعاملنا بشكل دائم مع شخص متوتر يزرع في أنفسنا التوتر واعتناق سلبيته في التفكير بشكل انتقائي لكل ما هو مزعج من حولنا. والبحث عن سلبيات حتى ما هو إيجابي.

لذا فإن العدوى الفكرية مع التعاطف والتفاعل الاجتماعي تنشئ مزيجاً مرضياً محاكياً للمرض نفسه. وخير ما نقدمه لأنفسنا إذا علمنا أن نقطة البداية في معظم الأمراض النفسية هي الأفكار السلبية والمشوهة. هو التحصين الإيجابي ومراقبة أفكارنا، وتصحيح سلبيتها لنتحصن من عدوى السلبية الفكرية المسببة للمرض النفسي. مع التعامل مع ذوي المشكلات النفسية بعقلانية دون انجراف زائد للمشاعر حتى للمقربين منا؛ لنتجنب مشاركتهم وجدانياً. لنستطيع أن نساعدهم بجذبهم للطريق السوي بدلاً من التأثر بمعتقداتهم اللاعقلانية. فدرهم وقاية خير من قنطار علاج.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...