عرض كتاب "بين يدي رمضان" .. لفضيلة الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم

دراسات وتقارير » بحوث ودراسات
05 - رمضان - 1434 هـ| 13 - يوليو - 2013


1

  

اقتضت حكمة الله جل وعلا أن يجعل هذه الدنيا مزرعةً للآخرة, وميداناً للتنافس, وكان من فضله عز وجل على عباده وكرمه أن يجزي على القليل كثيراً, ويضاعفَ الحساب, ويجعلَ لعباده مواسم تعظم فيها هذه المضاعفة, فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات, وتقرَّب فيها إلى مولاه بما أمكنه من وظائف الطاعات، ومن أعظم هذه المواسم المباركة وأجلِّها شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن المجيد, ولذا كان حريًا بالمؤمن أن يتفقه في شروط ومستحبات وآداب العبادات المرتبطة بهذا الموسم الحافل لئلا يفوته الخير العظيم, ولا ينشغل بمفضول عن فاضل, ولا بفاضل عما هو أفضل منه... ومن أفضل الكتابات التي تناولت آداب وطرق الاستفادة من هذا الشهر الكريم كتاب "بين يدي رمضان .. لفضيلة الشيخ محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدَّم".

ويدعو المؤلف في مقدمة كتابه المسلمين إلى حسن الاستعداد لهذا الشهر الكريم قائلا:  استحضر في قلبك الآن أحب الناس إليك, وقد غاب عنك أحد عشر شهراً, وهب أنك بُشِّرتَ بقدومه وعودته خلال أيام قلائل... كيف تكون فرحتك بقدومه, واستبشارك بقربه, وبشاشتك للقائه؟ 

                                                               

ثم يشرع المؤلف في بيان الآداب الشرعية مع هذا الشهر الكريم، وأول الآداب الشرعية بين يدي رمضان أن تتأهب لقدومه قبل الاستهلاك, وأن تكون النفس بقدومه مستبشرة، ولإزالة الشك في رؤية الهلال منتظرة, وأن تستشرف لنظره استشرافها لقدوم حبيب غائب من سفره، إذ إن التأهب لشهر رمضان والاستعداد لقدومه من تعظيم شعائر الله تبارك وتعالى القائل: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} (32) سورة الحـج.، يفرح المؤمنون بقدوم شهر رمضان ويستبشرون, ويحمدون الله أن بلَّغهم إياه, ويعقدون العزم على تعميره بالطاعات, وزيادة الحسنات, وهجر السيئات, وأولئك يبشَّرون بقول الله تبارك وتعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (58) سورة يونس, وذلك لأن محبة الأعمال الصالحة والاستبشار بها فرع عن محبة الله عز وجل, قال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} (124) سورة التوبة.

ماذا يحدث في أول ليلة من رمضان؟

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان, صُفِّدت الشياطين ومردة الجن, وغُلِّقت أبواب النار, فلم يُفتح منها باب, وفُتحت أبواب الجنة, فلم يغلق منها باب, وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل, ويا باغي الشر أقصر, ولله عتقاء من النار, وذلك كل ليلة" [رواه الترمذي وابن ماجه, وابن خزيمة في (صحيحه) , والبيهقي وحسنه الألباني، وهو في الصحيحين مختصرا]، ومن هديه صلى الله عليه وسلم  في هذا الموضع المبادرة إلى تذكير الناس ببركات هذا الموسم العظيم, فقد قال صلى الله عليه وسلم  لأصحابه في أول ليلة من رمضان: "أتاكم شهر رمضان, شهر مبارك, فرض الله عليكم صيامه, تفتح فيه أبواب السماء, وتغلق فيه أبواب الجحيم, وتُغَلُّ فيه مردة الشياطين, لله فيه ليلة خير من ألف شهر, من حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ"[رواه النسائي والبيهقي, وحسنه الألباني]. 

كيف يستقبل باغي الخير رمضان؟

أولاً: بالمبادرة إلى التوبة الصادقة, المستوفية لشروطها, وكثرة الاستغفار, لأنه شُرِعَ في استفتاح بعض الأعمال.

ثانياً: بتعلم ما لابد منه من فقه الصيام, أحكامه وآدابه, والعبادات المرتبطة برمضان من اعتكاف وعمرة وزكاة فِطر.

ثالثاً: عقد العزم الصادق والهمة العالية على تعمير رمضان بالأعمال الصالحة.

رابعاً: استحضار أن رمضان كما وصفه الله عزَّ وجلَّ أيام معدودات، سرعان ما يولي، فهو موسم فاضل، ولكنه سريع الرحيل، واستحضار أن المشقة الناشئة عن الاجتهاد في العبادة تذهب أيضاً، ويبقى الأجر، وشَرْحُ الصدر، فإن فرط الإنسان ذهبت ساعات لهوه وغفلته، وبقيت تبعاتها وأوزارها. 

خامساً: الاجتهاد في حفظ الأذكار والأدعية المطلقة منها والموظفة، خصوصاً الوظائف المتعلقة برمضان، استدعاءً للخشوع وحضور القلب، واغتناماً لأوقات إجابة الدعاء في رمضان.

سادساً: الاستكثار من الأعمال الصالحات، فإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن أهم الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم:

تلاوة القرآن الكريم: فإن رمضان هو شهر القرآن فينبغي أن يكثر العبد المسلم من تلاوته وحفظه، وتدبره، وعرضه على من أقرأ منه. فقد كان جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان، وعارضه في عام وفاته مرتين، وكان عثمان بن عفان –رضي الله عنه- يختم القرآن الكريم كل يوم مرة، وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر، فكانوا يقرؤون القرآن في الصلاة وفي غيرها، فكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة، وكان الأسود يقرأ القرآن كل ليلتين في رمضان، وكان قتادة يختم في كل سبع دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر في كل ليلة، وكان الزهري إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على تلاوة المصحف، وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة، وأقبل على قراءة القرآن، قال الزهري: "إذا دخل رمضان فإنما هو قراءة القرآن، وإطعام الطعام"، قال الحافظ ابن رجب –رحمه الله- : "وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقلَّ من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما الأوقات المفضلة – كشهر رمضان – خصوصاً الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر – أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناماً للزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم" اهـ .

قيام رمضان: فعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يُرَغِّب في قيام رمضان، من غير أن يأمرهم بعزيمة، ثم يقول: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"متفق عليه.

الصدقة: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ" رواه الشيخان.

 وفي رواية: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ يعرض القرآنَ في كلِّ رمضانٍ على جبريلَ فيصبحُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ من ليلتِه التي يعرضُ فيها ما يعرضُ وهو أجودُ من الريحِ المرسلةِ لا يُسأل عن شيءٍ إلا أعطاه حتى كان الشهرُ الذي هلك بعدَه عرضَ فيه عرضَتينِ"رواه أحمد وصححه الشيخ شاكر. وقال صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصدقة صدقة في رمضان" رواه الترمذي والبيهقي وضعفه الألباني في ضعيف الجامع 1023، والإرواء889.

المكث في المسجد بعد صلاة الفجر: فقد "كان صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس"رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: "من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة". رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وصححه الألباني.

الاعتكاف: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان النبي e يعتكف كل رمضان عشرة أيام؛ فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه اعتكف عشرين يومًا) رواه البخاري، كما اعتكف أزواجه من بعده، كما روى البخاري ومسلم عن عائشة رَضي الله عنها.                                                         

العمرة: فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي e لما رجع من حجة الوداع، قال لامرأة من الأنصار اسمها أم سنان: "ما منعك أن تحجي معنا؟ "قالت: أبو فلان –زوجها- له ناضحان، حج على أحدهما، والآخر نسقي عليه، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرة فيه تعدل حجة، أو قال: حجة معي"متفق عليه.

تحري ليلة القدر: التي قال تعالى في شأنها: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} سورة القدر. قال صلى الله عليه وسلم: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"متفق عليه.

وفي حديث ابن عمر، قال صلى الله عليه وسلم: "التمِسوها في العشرِ الأواخِرِ (يعْنِي ليلَةَ القدْرِ) فإِنَّ ضَعُفَ أحدُكم أوْ عَجَزَ ، فلا يُغْلَبَنَّ علَى السبْعِ البواقِي" رواه مسلم.

 وعن عبادةَ بنِ الصامتِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ أنَّه سأل رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن ليلةِ القدرِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: في رمضانَ فالتمِسوها في العشرِ الأواخرِ فإنَّها في وِترٍ في إحدَى وعشرين أو ثلاثٍ وعشرين أو خمسٍ وعشرين أو سبعٍ وعشرين أو تسعٍ وعشرين أو في آخرِ ليلةٍ، فمن قامها ابتغاءَها إيمانًا واحتسابًا، ثمَّ وُفِّقتْ له غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه"رواه أحمد، وضعفه الألباني.

وكان صلى الله عليه وسلم يتحرى ليلة القدر، ويأمر أصحابه بتحريها، وكان يعتكف لذلك، وكان يوقظ أهله في  ليالى العشر رجاء أن يدركوها. 

الإكثار من النوافل بعد الفرائض: كالسُّنن القبلية والبعدية، وصلاة التسابيح (حديثها لم يصح فهو ضعيف جدا أو موضوع)، وصلاةالضحى، والإكثار من الذكر والاستغفار، والدعاء خصوصاً في أوقات الإجابة، وعند الإفطار، وفي ثلث الليل الآخر، وفي الأسحار، وساعة الإجابة يوم الجمعة.

  

يا ورثة الأنبياء هذه فرصتكم

هذه وصايا مجملة للدعاة إلى الله عزَّ وجلَّ في هذا الموسم المبارك الذي هو فرصة ثمينة للتجارة الرابحة مع الله عزَّ وجلَّ:                                                           

- عليكم أن تدعو المسلمين لتوثيق روابطهم مع القرآن الكريم ختماً ومراجعة وحفظاً وتفسيراً وتجويداً.                                                                       

- حذروا الناس من قطاع الطريق إلى الله من أهل الفن والإعلام  والصحافة.         

- حرضوهم على الكسب الطيب الحلال، وتوقي الحرام والشبهة.                   

- ذكروهم بأحكام الصوم والقيام والاعتكاف وآداب ذلك كله.                   

- حث الناس على الصدقة الجارية من توزيع المصاحف والكتيبات والأشرطة النافعة.

- عقد حلقة يومية لمدة عشر دقائق عقب صلاتَيْ العصر والفجر يدرس فيها واحد أو اثنان من الكتب الآتية لعموم المصلين: [ رياض الصالحين – الأذكار النواوية – زاد المعاد].                                                                                

- تحذير المسلمين من فتور الهمة بعد الشِّرَّة التي تكون في أول رمضان، ثم لا تلبث أن تتلاشى وتخور العزائم، فتخلو المساجد من عُمَّارها خاصة في صلاتي الفجر والعشاء أثقل صلاتين على المنافقين.                                                  

- لفت نظر المسلمين إلى سهولة تطبيق نظم الحياة طبقاً للشريعة الإسلامية إذا صدقت النوايا، وآية ذلك أن رمضان يُحدِث – في ساعات قلائل بمجرد رؤية هلال – ثورة شاملة في دولاب حياة المجتمع كله، وتغييراً عميقاً على كل صعيد، فهذا يعكس قدرة الإسلام على إعادة صياغة نظم الحياة كلها في سلاسة وطواعية مدهشة، وهذا كله دليل رائع على حيوية هذا الدين، وبقاء الخير في أمة محمد صلى الله عليه وسلم.                 

- حض المسلمين على تذكر إخوانهم في الدين في بورما، وسورية ومصر وفلسطين والشيشان وأفغانستان، وغيرهم من المجاعات والحروب والظلم، والدعاء لهم مع التداعي لنصرتهم ونجدتهم، فإذا رأيت أطفالك على مائدة الإفطار تذكر أطفال ويتامى المسلمين الجوعى والعراة.                               

- لا تقصر نشاطك على رواد المساجد، بل انتقل إلى أهل الحي في مجامعهم ومنازلهم ونواديهم، فإن المفرّط المقصِّر هو ضالة الداعية.                                      

- تهيئة المساجد لاستقبال المصلين بتنظيفها وتطيبها وعمارتها وصيانة مرافقها.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...